تاريخ النشر: 2016-11-11 | 18:58
تاريخ النشر: 2016-11-11 | 18:58
مثّل الإعلان عن فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية مفاجأة من النوع الثقيل، ليس لدى جمهور الناخبين الأمريكيين فحسب، بل ولدى معظم المتابعين لتلك الانتخابات في شتى أنحاء العالم. فترامب الرجل السبعيني، والملياردير ورجل أعمال في قطاع العقارات لم يُعرف عنه اشتغاله أو اهتمامه بالسياسة العامة، لذلك شكل فوزه في انتخابات الرئاسة الأمريكية الـ(45) على المنافسة الديمقراطية، صاحبة الخبرة الواسعة في السياسة هيلاري كلينتون، مفاجأة مدوية. وهنا يمكن رصد مجموعة من المفارقات في فوز ترامب:
1) جرت العادة خلال الانتخابات أمريكية، بخاصة منذ عام 2000، أن الحملة الانتخابية الأكثر إنفاقاً، هي الأكثر حظوظ في الفوز في الانتخابات. والمفارقة الأولى هنا أن حملة كلينتون قد رصدت حوالي (180 مليون دولار أمريكي)، بينما اقتصرت حملة ترامب على حوالي (50 مليون) فقط.
2) وأما المفارقة الثانية فقد تمثلت في قيادة الحملة الانتخابية، ففي حين أن قيادة حملة كلينتون تميزت بالدقة والمهنية في العمل، بالإضافة للاستعدادات اللوجستية الجيدة بخاصة فيما يتعلق بتأمين وسائل المواصلات ذهاباً وإياباً للناخبين، فقد اتسمت قيادة حملة ترامب بالفوضى والضعف وقلة الإمكانات اللوجستية.
3) وعلى صعيد الرضا عن كلا المرشحين داخل حزبيهما، فقد كان واضحاً حالة التماسك والدعم والإسناد للمرشحة هيلاري كلينتون، من قبل قيادات الحزب الديمقراطي، لاسيما من الرئيس الأسبق بيل كلينتون والرئيس الحالي باراك أوباما. وأما المرشح ترامب فقد قوبل بحالة من الجفاء في أوساط الجمهوريين، بل ووصلت لحد المقاطعة وإعلان عدم دعمه من قبل قيادات وازنة داخل الحزب الجمهوري.
4) وأما على صعيد البرامج الانتخابية، فقد أظهر ترامب، خلال حملته الانتخابية، حالة من العداء تجاه المهاجرين، والأمريكيين السود والملونين، وذوي الأصول اللاتينية، والمسلمين، وقد أبدا مواقف موتورة تجاههم. بينما استطاعت المرشحة كلينتون أن تستميل تلك القطاعات لجانبها، فضلاً عن النساء اللواتي نظرن لهيرالي كلينتون باعتبارها أول سيدة تنافس على رئاسة الولايات المتحدة.
5) وعلى صعيد السياسة الخارجية، فقد كان واضحاً فارق الخبرة في السياسة الخارجية بين المرشحين، وبدا ذلك واضحاً من خلال الرؤية التي تبناها ترامب في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، والتي انتقد فيها سياسة براك أوباما «التدخلية» في القضايا الخارجية، وتبنى رؤية وصفت بالانعزالية وعدم التدخل في قضايا العالم لاسيما القضايا الشائكة، مثل العراق وسوريا، كما أن تبنى سياسه أكثر تحفظاً تجاه دول الخليج وتحديداً العربية السعودية (الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة الأمريكية)، هذا فضلاً عن معارضته للاتفاق النووي الإيراني. وأما كلينتون فقد عبّرت عن استمرارية توجهات السياسة الخارجية التي كانت خلال فترة حكم أوباما، واستمرار سياسة التدخل الخارجي وتحمل الولايات المتحدة لمسؤولياتها على المستوى الدولي.
6) يضاف إلى ذلك أن العديد من وسائل الإعلام المحلية عملت بدأب لدعم المرشحة هيلاري كلينتون، خلال كافة المراحل الانتخابية، وأظهرت ترامب باعتباره خطراً على الولايات المتحدة الأمريكية، وعكست انطباعات سيئة عنه. في المقابل شكك ترامب في مصداقية وشفافية الانتخابات، الأمر الذي أعتبر أمراً غير مألوف في الحياة السياسية الأمريكية، ذات التقاليد الديمقراطية العتيدة.
7) لذلك، ولكل هذه الأسباب، لم يكن مفاجئاً ما أظهرته استطلاعات الرأي حول النتائج المتوقعة للانتخابات الأمريكية (2016). فقد عكست تفضيلات الناخبين الأمريكيين عبر كل الاستطلاعات المختلفة فوز المرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتن، بفارق لا يقل عن (3-5 %)، وقد عبّر الناخبون عن تخوفهم من فوز ترامب نتيجة لمواقفه الشاذة. وهذه مفارقة لافته للانتباه ..! كيف فشلت كل استطلاعات الرأي في التنبؤ بفوز ترامب؟ وهل يمكن الوثوق باستطلاعات الرأي الأمريكية بعد ذلك؟
وفيما يخص القضية الفلسطينية، فغني عن القول أن المواقف الأمريكية تكاد تكون متشابهة إلى حد بعيد بين كلا الحزبين/المرشحين، بل إن الحزبين الرئيسيين يتنافسان على دعم إسرائيل لأسباب كثيرة، ليس أقلها محاولة كسب اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. وهذا ما انعكس على خطاب ترامب خلال حملته الانتخابية؛ كان ترامب قد أعرب أنه سيتخذ موقفاً حيادياً في ملف الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، خلال المرحلة التحضيرية للانتخابات داخل الحزب الجمهوري، إلا أن تلك التصريحات قد جلبت عليه مشاكل من قبل اللوبي اليهودي، مما دفعه للتصريح علانية أمام «الإيباك» بأنه سينقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس.
وأما على صعيد العملية السلمية، فقد اتفق المرشحان على ضرورة استمرار المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ويرفض ترامب أي دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي على هذا الصعيد، مهدداً باستخدام الفيتو ضد أي قرار عبر مجلس الأمن الدولي لصالح القضية الفلسطينية، وهذا ما يجعل مستقبل قضايا الحل النهائي، وبالتالي مستقبل المفاوضات برمتها، خاضعة لموازين القوى بين الطرفين المتفاوضين. ورغم أن ترامب قد أبدا رفضه لتوسع الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وكذلك فعلت كلينتون، فإنه لم يعلق على الاستيطان القائم على الأرض منذ عقود وسنوات. وكل يمكن فهمه من تحليل مضمون الخطاب الانتخابي لترامب فيما يخص مستقبل القضية الفلسطينية، هو تأييده لفكرة حل الدولتين من حيث المبدأ، لكن دون تحديد أي تفاصيل حول حدود الدولة، وسيادتها، وكذلك القضايا النهائية كاللاجئين والقدس والاستيطان، بما يعني أن تلك القضايا المصيرية متروكة للمفاوضات المباشرة.
واليوم، السؤال الذي يطرح نفسه: هل تصريحات ترامب المرشح هي ذاتها تصريحات ترامب الرئيس؟ فترامب الذي جاء للحكم رغم معاداة وسائل الإعلام له، وتخلى جزء من أركان حزبه عنه، وعدم دعم اللوبي اليهودي له، قد يصنع منه رئيساً قوياً، قادراً على اتخاذ مواقف مختلفة نسبياً عن الإدارة/الإدارات السابقة، وهذا لا يعني بالضرورة تبني سياسات مختلفة كلياً، رغم ما يبدو من ارتياح روسي لفوز ترامب. وهنا تجدر الإشارة أن السياسة الخارجية، بالذات لدولة كبرى كالولايات المتحدة، لا ترسم معالمها وفق نمط خطي بسيط، بل تتداخل فيها عوامل كثير، لذلك، ليس مرجحاً أن تشهد فترة حكم ترامب تحولات راديكالية في السياسة الأمريكية الخارجية.
وخلاصة القول، إن فوز دونالد ترامب بمقعد الرئاسة الأمريكية قد حمل مفارقات كثيرة، ليس على الصعيد الداخلي فحسب بل وعلى الصعيد الدولي أيضاً، بما يمكن أن يوصف فوزه في الانتخابات بالـ«المفاجأة والصدمة». ولحين تدرك العالم لهذه المفاجأة/الصدمة، ولحين ترتيب الوافد الجديد للبيت الأبيض أوراقه في الملفات الداخلية والخارجية، وتحديداً فيما يخص السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط، يظل أمام القيادة الفلسطينية هامش من الوقت – وإن كان قليل- لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، من حيث تجديد الشرعيات الفلسطينية، واستعادة الوحدة الوطنية وتمتين الجبهة الداخلية، وتنسيق المواقف مع الأشقاء الأصدقاء، استعداداً للمواجهة السياسية المحتملة.