تاريخ النشر: 2022-01-23 | 06:19
تاريخ النشر: 2022-01-23 | 06:19
نجحت المفاوضات أم فشلت ستكون تأريخا لصراع طويل بين أقطاب ودول وسياسات فنجاحها حسب المنظور الإيراني سيحمل ايران مهمات جديدة يجد فيها صناع القرار الدولي تجاوزا لما هو مرسوم، لأنه سيمنح إيران دورا أساسيا في ترتيب المنطقة، وان فشلت المفاوضات ستنتشر السياسات البعيدة عن ضبط الامريكان المنهكين من حروبهم الفاشلة.. نجاح المفاوضات أو فشلها ليس بمعزل عن قضايا المنطقة وتشابكاتها ومن غير المحسوم كيف ستكون نتيجة ذلك عليها.
لماذا لم ينجز الاتفاق:
يتبادر الى أذهان الكثيرين عدة أسئلة فيما هم يراقبون الشد والرخي في المفاوضات المتواصلة في فينا بخصوص الاتفاق النووي والتي تشرف على نهاية ستة أشهر من المحادثات المكوكية دون انجاز تفاهمات في صيغة تفعيل للاتفاق السابق. ولم يتم تحديد أجل لانتهاء المهمة، لكن إذا لم يتحقق تقدم في فترة وجيزة، فإن العملية ستنتهي إلى فراغ خطير كما حذر الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس من أن "الوقت المتاح قصير، قصير جداً-ويقاس بالأسابيع وليس بالأشهر". وأعطى وزير الخارجية أنطوني بلينكن الإطار الزمني نفسه، و قال:" إن تخصيب إيران لليورانيوم بنسبة 60 في المئة، يعني أن عملية التفاوض يجب أن تكون أسرع".. فأين تكمن العقدة؟
الأمر يدخل الى صميم النوايا والخطط المبيتة حيث تشير الوقائع الى عدم استعجال الإيرانيين في التوصل الى اتفاق كيفما اتفق.. كما تشير الى دقة الصياغة التي تصر عليها الدول الاوربية والتفصيلات المكبلة والابواب المستجدة، ويقول المقربون من المحادثات، إنهم يعتقدون بأنه بالإمكان التوصل إلى إتفاق، من وجهة النظر الغربية ولكنه محدود ومؤقت وهذا ما ترفضه إيران تماما والتي تصر على اتفاق محكم ونهائي.. كما ترفض التفاوض مع الامريكان بشكل مباشر ويقوم بمهمة الوساطة الوفود الاوربية والصينية والروسية وتجتمع يومياً فرق من الخبراء والمفاوضين في فندق قصر كوبورغ بفيينا وتتبادل فيما بينها الإقتراحات.
وهنا تطرح الأسئلة والتساؤلات: من المستفيد من فشل مفاوضات فينا؟ هل المفاوضات حبل نجاة لإيران أم قوة اضافية؟ يقولون أن ترمب ارتكب خطأ استراتيجيا عندما مزق الاتفاق النووي وانسحب من الاتفاقية ولم يضع خطة بديلة لإيقاف النشاط الايراني النووي الأمر الذي استغلته ايران تماما فطورت قدراتها النووية..
والآن يدور المفاوض الامريكي والمفاوض الإيراني خلف بعضهم بشكل غير مباشر في دائرة واسعة يقتربان حينا ويبتعدان أحيانا، يتفاءلان ويتشاءمان، يرحبان ويهددان.. فما هي حقيقة الموقف الأمريكي؟ وماذا تريد إيران بحق من جولة المفاوضات؟ وماهي تداعيات كلا من الاحتمالين – النجاح أو الفشل-على المنطقة ورسم سياساتها وخرائطها؟
تفعيل أوراق القوة بين الطرفين: من الواضح ان هناك ضجيجا في اكثر من ساحة للضغط على المفاوضات بفينا.. النشاط الدؤوب بين روسيا والصين وإيران والمناورات العسكرية المشتركة والتحالف الاستراتيجي وما علاقته بالمفاوضات و احتمال الغزو الروسي لأوكرانيا واثره على المفاوضات و قيام ايران بحشد اوراق قوة في الخليج واستعراض قوتها العسكرية تكون كافية بان تجعل نتائج المفاوضات لصالحها وان تتجنب محاولات الامريكان والصهاينة في نصب كمين قاتل؟ وهل التصعيد في اليمن والخليج يجري في السياق نفسه كما أن زيارات المسئولين الإيرانيين الكبار الى الصين للتأكيد على اتفاقية الشراكة ل 25 سنة قادمة كما هي زيارة رئيسي الرئيس الإيراني لموسكو وتوقيعه عدة اتفاقيات استراتيجية وذلك لإرسال رسالة واضحة للغرب ان الاقتصاد الإيراني لن يتأثر؟ وفي اتجاه أخر ماذا عن الانفجارات التي سمعت في غرب إيران ليل السبت، والتي قالت عنها السلطات الإيرانية إنها ناجمة عن البرق وليست هجوماً إسرائيلياً. لاسيما وإسرائيل تؤكد انها لن تلتزم أي إتفاق مع إيران.. وقد سبق للأجهزة الأمنية الإسرائيلية القيام بعمليات تخريب لمنشآت إيرانية صناعية واغتيال قيادات إيرانية علمية وكما صرحت صحف أمريكية ان لإسرائيل جيش من العملاء في طهران يتحركون بتقنية فائقة.. وعلى خط آخر تحاول الولايات المتحدة احداث التأثير على المفاوض الإيراني بظهور المبعوثين الامريكان مجتمعين بالمسئولين الخليجيين وإطلاق تصريحات عسكرية قوية تجاه إيران تؤكد عزم أمريكا على دعم حلفائها في الخليج.
نقاط الخلاف:
آلية رفع العقوبات: تصر إيران ان رفع العقوبات يجب ان ينفذ فورا حسب الاتفاق المبرم سابقا بدون ربطه باي موضوع آخر وهنا لا يزال الخلاف يدور حول كيفية تصنيف ما إذا كانت هذه العقوبة تتعلق بالإتفاق النووي بحيث يتم رفعها الآن، أو مرتبطة بقضايا أخرى، مثل "الإرهاب الإيراني" أو "إنتهاكات حقوق الإنسان" وتقول الولايات المتحدة وآخرون إنها يجب ألا ترفع الا باتفاق شامل يقيد النشاط الإيراني في دعم المجموعات المسلحة.
ضمانات عدم انسحاب أمريكا: تلك التي تسعى إليها إيران من أجل ألا يتكرر ما حدث مع انسحاب ترامب من الإتفاق في مايو (أيار)2018. وفي حين حدوث الاتفاق الأول لم يحصل الاتفاق الا على موافقة الرئيس الأمريكي السابق بارك أوباما وفريقه الحكومي فيما يلم يمرر على الكونجرس، وهنا تتجدد المشكلة لان الولايات المتحدة لا يمكنها توفير ضمانات ملزمة قانونياً فالكونغرس لن يوافق على أمر كهذا.. وهنا تصر ايران على موقف اوربي يحمل ضمانات فيما لو انسحبت أمريكا من الاتفاق وهنا معضلة أخرى حيث ليس من السهل على الدول الاوربية الالتزام مع كل ما يمكن ان تبذله من جهد لتحدي العقوبات الامريكية المحتملة من خلال ضخ سيولة في آلية انستكس التي أنشأها الاتحاد الأوربي لتجاوز العقوبات الأمريكية..
ضمانات التنفيذ:
كيف تتأكد إيران من رفع العقوبات فعلا وان المسألة نهج وليست لعبة؟ وكيف يتم القطع بتوقفها عن تخصيب اليورانيوم عند مستويات محظورة؟.. وهنا تبرز الشكوك والنوايا المتوجسة من قبل كل الأطراف من يحقق الشرط أولا وكيف يتم التأكد وماهي مدة التأكد.. فإيران تريد وقتا كافيا للتأكد من رفع العقوبات وانها تتم حقيقة على الأرض وليس على الورق..
وفي المقابل ماهي الالية التي تريدها أمريكا للتعامل مع موضوع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة ومن ثم كميات اليورانيوم المخصبة والذي تكون إيران خزنته في فترة انسحاب أمريكا من الاتفاق. لقد وعدت إيران بأنها ستتراجع عن التقدم الذي أحرزته في المجال النووي، في حال رفعت الولايات المتحدة كل العقوبات أولاً، وأعطت ضمانات بأن أي رئيس أمريكي آخر لن يتخل عن الإتفاق.
التحديات السياسية والاقتصادية:
بلا شك مثل صمود ايران الاقتصادي أهم ركيزة تمنحها القدرة على الثبات على مطالبها فهاهي بعد أكثر من أربعين عاما وأشكال الحصار والعقوبات الغربية متواصلة قد استطاعت امتصاص الضربات القوية وحاولت التأسيس لاقتصاد غير مرتبط برفع الحصار وأنشأت بنى تحتية لصناعات الحديد والصلب والأدوية والمواد النافعة في الزراعة وأدواتها.. وتمكن الإيرانيون رغم الحصار والعقوبات أن يستمروا في برنامجهم التسليحي الكبير في قطاعات عديدة لاسيما في مجال الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية والسفن الحربية.. فكان الاقتصاد المقاوم كما يطلقون عليه في إيران هو الحل في مواجهة العقوبات المفروضة من قبل واشنطن والتي تفرض على العالم الالتزام بها وتمكنت إيران تعطيل آثار الإجراءات العقابية من خلال تركيزها على السوق المحلي والحد من الاعتماد على الواردات كما نشطت على صعيد زيادة الصادرات غير النفطية لدول الجوار كما كانت فرصتها ببيع النفط للصين فرصة ثمينة.
ولكن رغم هذا كله فإن الاقتصاد الإيراني يعاني من تضخم كبير وبطالة وتظهر آثار الحصار من حين الى آخر في اهتزازات اجتماعية واحتجاجات شعبية تؤثر على الحريات السياسية في البلاد.. من هنا كانت الدعوة مستمرة لبناء اقتصاد بعيد عن الارتهان للغرب فأخذت إيران بتوسيع رقعة نشاطها التجاري ودخلت شراكات كبيرة مع روسيا والصين ولكن يبقى الحصار يضطرها الى عدم التصرف بواسع الحرية في تسويق منتجاتها الأمر الذي ينعكس على حركة اقتصادها وقوته..
يدرك الساسة الإيرانيون أهمية الجانب الاقتصادي رغم كل ما حققوه سياسيا وعسكريا ولهذا سعى الرئيس إبراهيم رئيسي إلى طمأنة الإيرانيين إلى أن أولوياته تتضمن معالجة المشاكل الإقتصادية وتعزيز رفاهيتهم.. وبحسب ما جاء في البيان الأخير للبنك الدولي
وبحسب التوقعات الاقتصادية، فإن الإقتصاد الإيراني "يتعافى تدريجياً بعد عقد (2020-2011) من النمو الإقتصادي الضئيل.."
وبعد سنتين من الإنكماش، نما إجمالي الناتج المحلي بنسبة 6.2 في المئة في الربع الأول من السنة المالية 2022-2021. ويعود الفضل في ذلك إلى التوسع في قطاعي النفط والخدمات وتخفيف القيود المفروضة بسبب وباء "كوفيد 19"..
كما أن إنتاج النفط يزداد، إذ بلغ 2.4 مليون برميل في يناير (كانون الثاني) نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، لكنه لا يزال أقل من مستوى ما قبل العقوبات أي 3.7 ملايين برميل في عام 2017، وفق تقرير البنك الدولي.
هذه التطورات الإيجابية عززت موقف طهران التفاوضي مع القوى العالمية في فيينا لإحياء الإتفاق النووي لعام 2015، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة خلال رئاسة دونالد ترامب عام 2018
و مع ذلك فهناك أكثر من 10 ملايين عائلة تعاني من الفقر و"هناك ملايين آخرون يسيرون" في هذا الإتجاه و"لم يعد في إمكانهم شراء اللحم والأرز كما قال نائب مجلس الشورى مهدي أصغري في الوقت اليذي تخطط الحكومة لإجراء مزيد من الخفض في الدعم على سلع أساسية وعلى الدواء، الأمر الذي يزيد المخاوف من ارتفاع جديد في التضخم وقال نائب الرئيس الإيراني لشؤون الموازنة مسعود مير-كاظمي، أن إيران في إمكانها كحد أقصى جني 16 مليار دولار من مبيعات النفط في السنة المالية المقبلة، أي ما يكفي فقط لإستيراد سلع أساسية ودفع رواتب الموظفين الحكوميين. وصرح الأسبوع الماضي قائلاً: "إننا نخضع لعقوبات ومن المستحيل" أن لانخفض الدعم.
عدم انهيار الاقتصاد الإيراني طيلة الأربعين سنة الماضية رغم الحروب والاستنزاف المستمر يعتبر احد اهم ضمانات الصمود الإيراني بالإضافة الى جبهة تحالفات دولية تسير نحو شراكات استراتيجية لاسيما مع الصين وروسيا وامريكا اللاتينية وكذلك توسع دائرة نفوضها في المنطقة في العراق وسورية ولبنان واليمن وتحويلها المحور كله الى عنصر قوة لايبدو انها تضعه على أرضية المساومة او التفاوض..
وكذلك وجود ايران في موقع الضد من الكيان الصهيوني يمنحها ورقة ضغط إضافية في المفاوضات الامر الذي يفسره الإسرائيليون بتخوفهم وقلقهم واستعداداتهم للدخول على خط المواجهة العنيفة مع ايران وتكون الأجهزة الأمنية الصهيونية قد قامت بعديد العمليات المعلنة وغير المعلنة ضد المؤسسات العلمية والاقتصادية والعسكرية الإيرانية في ايران وفي سورية..
وهذا يعني ان الاتفاق النووي سيكون بدون الإشارة لدور ايران العسكري الإقليمي يعطي الكيان دافعية أخرى للتحرك لتحالفات مع دول عربية لاسيما الخليج للتصدي للتطور العسكري الإيراني وللنفوذ الأمني الإيراني في عدة مواقع لاسيما اليمن.. وتصر القيادات الإسرائيلية كما قيادات دول الخليج على ان يتضمن الاتفاق تحجيم دور ايران الإقليمي وعدم تدخلها العسكري في المنطقة.. في حين ترى إيران انها أصبحت دولة إقليمية أساسية وانه ينبغي عدم التوجه لترسيم خرائط سياسية او مسارات سياسية دون موافقتها.
لكن ايران تواجه اخطار سياسية وامنية محتملة على جانبيها فهناك أفغانستان وطالبان صاحبة الخلاف التقليدي والكامن وهناك المنافس الكبير تركيا كما ان هناك العراق وتبعثره وتنازع قواه الامر الذي يشكل لإيران صداع مستمر بعدم القدرة على استقراره..
الاتفاق الذي تريده ايران لن يحدث والاتفاق الذي تريده واشنطن لن يحدث.. قد يحصل في الساعات الأخيرة اختراق ويتم التوصل الى اتفاق يأخذ بعين الاعتبار والاهمية مخاوف الطرفين ويضع الحد الأدنى لذلك وهذا يعني ان الفشل في انجاز اتفاق سيقود الى المجهول في سير الاحداث التي ستفتح امامها كل الجبهات بتصعيد يرسم الاتفاق بكل الأدوات على الأرض في حالة استنزاف غير معروفة العواقب.