تاريخ النشر: 2020-02-02 | 20:00
تاريخ النشر: 2020-02-02 | 20:00
ذلك التردد الإبداعي: نظرة زياد باتجاه المفك المثبت على زجاج باب السيارة، ونظرة المستوطن الإسرائيلي تجاه مسدسه المثبت على جنبه.
جاء التردد بعد أن عرف كلاهما من الآخر، الفلسطيني زياد، وقد شعر بالغضب من حديث الإسرائيلي، الذي أركبه معه ظنا منه إنه إسرائيلي مهاجر اسود، والإسرائيلي وقد شعر بالخوف من الفلسطيني.
يذهب زياد ضاجا من الوسط الذي يعيش فيه بعد أن أشبعوه اختبارات وتدخلا في حياته، وضيقوا عليه، يذهب على غير هدى، فيمشي في أحد الشوارع خارج رام الله، حيث يتنقل عليه الفلسطينيون والإسرائيليون عليه، كأنه يود الإقدام على شيء ما كرد فعل لما يعيشه من تحولات وتوترات، (وهذا ما لم يحسمه الفيلم تاركا للمشاهد التوقع والتنبؤ والتفكير)، يلتقطه الإسرائيلي ليركبه معه اعتقادا منه أنه إسرائيلي، حيث ما أن يركب حتى يبدأ السائق بتفريغ نفسي لما يعانيه من ضغوطات اقتصادية، ويسترسل ناقدا جميع الاتجاهات الإسرائيلية، منتصرا لخلاصه هو، في ظل ذلك لا يفوته الاستهزاء بالفلسطينيين بوصفه لهم انهم بلا حول ولا قوة، فيثور غضب زياد، الذي يبحث عن شيء ليضرب به فيجد المفك، الذي أوحى ان في باب السيارة عطلا لم يصلحه الإسرائيلي بعد، ربما لأسباب اقتصادية.
وصل الإسرائيلي لحالة النقيض مع المجتمع الرأسمالي بضغوطاته الاقتصادية، ولكنه في حالة تناقض قومي مع الفلسطينيين، فيما يكون زياد قد وصل حالة الاغتراب داخل مجتمعه، لكنه بالطبع يعيش حالة التناقض مع الإسرائيليين. بمعنى أن كليهما يعانيان داخل مجتمعيهما، ويربطان ذلك في اللاوعي مع حالة الصراع، كأن الفيلم، وإن لم يصدر حكما على ذلك، يوحي بأمر وجودي وإنساني، وهو امكانية تصالح كل منهما في مجتمعه، والذي يمكن أن يساهم في التخفيف من حدية الصراع، حيث لا يظل الآخر هنا في معادلة الصراع، مجال تنفيس وتفريغ نفسي وجسدي.
زياد وصحبه يطلقون النار قبل 15 عاما على مقدسي ظنا منهم أنه إسرائيلي انتقاماً لمقتل صديقه المُقرب، والإسرائيلي يركب زياد بسيارته ظنا منه أنه إسرائيلي. تلك مفارقة إيحائية إبداعية بأن هناك أخطاء في تدفيع الثمن، وأن الفلسطينيين والإسرائيليين، إن نزعنا عنهم البطاقات، والألوان، هم جميعا بشر يمكنوا فعلا أن يعيشوا معا؛ وأن العنصرية هي مفتاح الشرّ.
لربما يمثل الحوار الأخير في الفيلم كلاما وإشارة العمق الفكري والسياسي والإنساني، لا للفيلم فقط، بل لمجمل حالة الصراع هنا، وما أفرزه من تعقيدات نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية.
إن قراءة الفيلم من نهايته، تحيلنا إلى البداية، بداية الفيلم، حينما يستشهد صديق زياد (لم يظهر على يد من بالتحديد، لكن الاتهام ذهب الى جنود الاحتلال الاسرائيلي)، وما فعله الأصدقاء الثلاثة من إطلاق النار على مقدسي تحمل سيارته اللوحة الإسرائيلية الصفراء، ظنا منهم أنه مستوطن، والذي يأتي في سياق الصراع أيضا في الانتفاضة الثانية وما قبلها وبعدها.
بعد ربع ساعة قريبة من المنحة الوثائقي من أحداث الفيلم، يبدأ الفيلم بمخاطبة عميقة للمشاهد، تلامس الوجدان، وتستمر بالعزف على هذه اللغة الجوانية، من خلال تقديم الشخصية من داخلها، والذي ظل طوال فترة العرض جاذبا المشاهدين، لا تشويقا لمعرفة الأحداث، بقدر فهم جوانب الشخصية، المتحررة فيزيائيا من المعتقل، وسط تحولات عصفت بحياتنا الفلسطينية.
ولو تجاوزنا عن بعض التكرار والرتابة، فإننا نزعم إننا إزاء فيلم ناجح ليس في جذب المشاهد فقط بل وفي التأثير على اتجاهاته الفكرية والاجتماعية إزاء حالة الأسرى المتحررين، فيما يغوص الفيلم بعيدا عن المباشرة في التحولات السياسية والاجتماعية، باتجاه التأمل أكثر منه للحكم على مجرى الأحداث.
شخصية المعتقل زياد التي لم تكمل تحررها بعد، تعيش حالة ذهول، حيث أبدع المخرج في أمر غاية في العمق، يصيب المتحرر من الأسر، الذي يكون كالعائد من السفر الطويل، والذي يود أن يكمل الحكاية في المكان، منذ لحظة تركه، متجاوزا، أو محاولا طي ال15 عاما، كأنها لم تكن شيئا.
وقد مثل مشهد عودته للملعب لممارسة اللعب، بعد تحرره من السجن، إثر اشتراكه في أحداث الانتفاضة، حيث يصيب بالخطأ مواطنا مقدسيا تحمل سيارته اللوحة الصفراء، طنا منه أن إسرائيلي، عودة مكانية للمكان الذي كان يتردد عليه كمحب للرياضة، لكن وكما غنت أم كلثوم:
عايزنا نرجع زي زمان..قل للزمان يرجع يا زمان.
وذلك كان التحدي الأهم له، وهو الذي يفسّر حالة الاغتراب التي أصابته، والتي ظنها الكثيرون حالة مرض نفسي.
دارت أحداث الفيلم حول زياد الأسير الشاب بعد تحرره من السجن، والذي يجد نفسه وسط سجن آخر، لما يتم تنميطه مسبقا، حيث يسخر زياد من الكثير من ردود أفعال المحيطين به، الذين يصادرون رأيه ويقررون بالنيابة عنه.
مفارقة، ففي الوقت الذي يظن المحيطون بزياد أنه في حالة صدمة ما بعد التحرر، فإن صدمته الحقيقية تكون بسببهم هم أنفسهم، مما يثير سخريته، بل والتعايش مع ذلك، تأدبا منه أو صبرا، أو تفهما منه لأسباب ردود أفعالهم.
ينصدم زياد كونه أصبح مادة للتداول وتقرير المصير، دون أن يتعمق أحد في فهم شخصيته، بمن فيهم الباحثة الاجتماعية.
على النقيض من ذلك، فإن الصبية القادمة لتصور فيلم عن شخصيات فلسطينية، تتطرّف في إبعاد ذكرى السجن عنه، طالبا منه أن يعبر عن حياته بشكل حرّ، كأنه مواطن عادي لم يمر بتجربة معتقل لمدة توازي تقريبا عمره.
زيارات تلك الصبية كانت أيضا ليس تضامنا حقيقيا معه، بقدر رغبتها بعمل فيلم ناجح لها، فهي تعيش حياتها كشابة، تلهو وتستمتع بشكل عادي، وهي اصلا المقيمة خارج فلسطين. ولعل لفة زياد الساخرة تكشفها حين يتساءل لم اختارت القدوم هنا في ظل هذا الصراع، فتتكلف الإجابة.
كان يختصر على الطبيب والأخصائية حالته بأنه يعاني من الصداع والبروستاتا، في حين راحا يضعان فيه كل أمر ظنا منهما وغيرهما انه يعاني نفسيا. ويصل التوتر غايته في مشهد العمل، حين يسخر المقاول منه ويطرده.
أما أخته التي تظل تلح عليه بالزواج من خطيبته التي انتظرته، فكانت تنظر للأمر من منظور مكافأة الفتاة على الانتظار، واحتياجها هي الأخرى للزواج. ولعل هناك من أثبت صورة عري امرأة، وراء ساتر ما، ربما لإثارته تسريعا للزواج من باب إثارة شهوته، مع أنه ليس في هذا الوارد، إلا بقدر محدود.
شيء واحد كان إيجابيا، وهو قدوم المقدسي الذي تم إطلاق النار عليه لاستقبال زياد بعد التحرر من الأسر، من باب معرفة المقدسي انه لم يكن مقصودا، وتطييبا لحالة الالم التي شعره في التحقيق بعد ان كشفت له المحققة لا جدوى عمله، وأن المصاب عربي مثله.
زياد صريح مع نفسه، وجد نفسه في حالة إطلاق النار، وقد تحمل مسؤولية ذلك وحده، حيث لم يذكر اسماء من كانوا معه حماية لهم، وتلك تضحيته، يتذكر حبه للرياضة، وحياة الشباب، لعل زياد هنا كان في حالة بحث عن جدوى كل ذلك، وإن لم يحسم المخرج-الكاتب الى اين وصل به التفكير..
لقد حاول زياد الاندماج من جديد، لكنه فشل او تم إفشاله، أكان حبا زائدا من محيطه، أو بسبب رؤيتهم النمطية لأسير محرر، بكل ما يسيغوه من هالة البطولة، او بسبب استغلاله كموضوع!
المضمون ابداعي يأخذنا للتفكير بمستقبل الصراع، وما كان ليصير هكذا مهما لولا الفن، تمثيلا وإخراجا.
نجح الممثلون/ات فعلا زياد بكري وعرين عمري، وأميرة حبش وجميل خوري ومريم باشا، وأمير خوري، وياسمين قدومي. وقد كنت في بداية مقالي هذا أود لو أفردته للحديث عن تمثيل الشخصية الرئيسية: زياد البكري، حي يمكن القول هنا بدون مبالغة، ولا انتقاصا من إبداع المخرج الشاب بسام الجرباوي، ولا من طاقم التمثيل، بأن تمثيل زياد هنا كان رافعة أساسية كبرى للفيلم، ولعله احد أسباب انبهارنا، حيث استطاع هذا الفنان، التعبير الفعلي عن شخصية الأسر الفلسطيني المتحرر من المعتقل الاسرائيلي، الى درجة عالية كانه فعلا قد مرّ بهذه التجربة؛ حيث استطاع التعبير عن جوانب شخصيتها المتنوعة، ناقلا التوتر ورود الفعل بطريقة اقل ما يقال فيها بانها مدهشة. ويذكرني هنا بشخصية الطبيب يحيى (آسر ياسين) في رسائل البحر، لداود عبد السيد عام 2010.
إنها حالة تفكيك فعلي للصراع عبر البشر هنا، غوص في دواخل الفلسطينيين في هذا الصراع القومي، في ظل اشكاليات المجتمعين، ونزوع الافراد للخلاص الشخصي.
مفك من تأليف وإخراج بسام جرباوي في أولى تجاربه الإخراجية لفيلم روائي طويل، وبطولة زياد بكري، أمير خوري، جميل خوري، وهو إنتاج مشترك بين شريهاري سات المنتج من شركة Dialectic التي يقع مقرها الرئيسي في نيويورك والشركة الفلسطينية رمش فيلم التي يمتلكها كلٌ من بسّام جرباوي وياسمين قدومي (في تجربتها التمثيلية الأولى)، خرج إلى النور فيلمه الوثائقي الأول Frequency عام 2004، وفي عام 2009 حصل فيلمه القصير Chicken Heads على عرضه الأول في مهرجان نيويورك السينمائي.
اختزل الحوار الأخير كل شيء، عبورا بحالة تفكيك وتحليل نفسي اجتماعي اقتصادي سياسي، وصولا لتأكيد الدعوة للتفكير بالخلاص الجمعي للمتصارعين هنا، للبحث عن بدائل ذكية، بعيدا عن لغة الصح والخطأ، والصدفة، التي تعرض مقدسي لإطلاق نار من بني قومه بالخطأ، وتلك الاخرى التي جمعت زياد والإسرائيلي في مركبة واحد.
تلك المركبة، بفضائها الصغير، هي جسد المكان بفضائه الكبير الذي يمكن ان يظل كذلك أو يضيق بالبشر؛ فلا يمكن أن تستمر الحياة هكذا: عين على المفك وعين على المسدس!
لا بد ان هناك اختيارات أخرى..ممكنة في حالة واحدة فقط: وأد العنصرية!
عندها فقط، ستخف حالة الشك بنوايا الآخر باتجاه حسن الظن، ووقتها يمكن ان تكون بداية النهاية لصنع سلام هنا بين البشر لا بين الساسة.