تاريخياً شكلت الجامعات الفلسطينية البيئة الخصبة لتشكيل الوعي الثوري والانتماء الوطني الصادق ، ومثلت النواة الأولى لصعود القيادات الوطنية التي خرجت من الأطر الطلابية في الجامعات الوطنية وأصبحت تتقلد مراتب عليا في التنظيمات والحركات الفلسطينية على مختلف أيدلوجياتها ، فقدمت وما تزل الحركة الطلابية الفلسطينية الآف من الشهداء والجرحى والأسرى خلال المعركة الكفاحية المستمرة مع العدو الصهيوني أمثال الشهداء شرف الطيبي ويحيى عياش وفتحي الشقاقي وهاشم أبو حمدان ومعتز وشحة وساجي درويش وقافلة طويلة من شهداء شعبنا وقادة الأسرى أمثال مروان البرغوثي وياسر أبو بكر وعبد الله حامد ، حيث لم يقتصر دور الجامعات على الجانب العلمي والأكاديمي فقط بل امتد ليشمل الجانب الوطني والكفاحي ومجابهة العدو الصهيوني .
هذه الإسهامات التاريخية والكفاحية جعلت الانتخابات الطلابية لا تقتصر فقط على الجانب المهني الخدماتي للطالب بل شملت كذلك الجوانب السياسية والتي يكون لها تأثير كبير على الانتخابات الطلابية وحسم نتيجتها لصالح كتلة دون آخرى ، وفي هذا العام كان للانتخابات الطلابية التي جرت في عدة جامعات في الضفة الغربية أهمية قصوى و صدى واسع وخاصة في ظل احتدام المنافسة الشعبية بين حركتي فتح وحماس واختبار كل منهما لشعبية الآخر على الأرض وخاصة بين شريحة الطلاب والتي يكون لصوتها تأثير كبير في أي جولات انتخابية قادمة .
شهدت الانتخابات الطلابية في أربعة جامعات كبرى ( جامعة الخليل وجامعة بوليتكنك فلسطين وجامعة بيت لحم و وأخيراً جامعة بيرزيت ) فوز الشبيبة الفتحاوية الذراع الطلابي لحركة فتح ، حيث كانت المنافسة شرسة وقوية بين حركتي فتح وحماس في انتخابات جامعات الخليل وبوليتكنك فلسطين وبير زيت وفازت فتح بفارق بسيط على حركة حماس ، بينما فازت بنسبة مريحة في جامعة بيت لحم وسط منافسة مع اليسار الذي له حضور قوي وبارز في هذه الجامعة ، ومن تلك الانتخابات الطلابية نستطيع استخلاص الملاحظات التالية :
- الانتخابات الطلابية في الجامعات لا تجرى بمنعزل عن الواقع السياسي في خارج أسوار الجامعة ، حيث يكون للسياسة دور كبير ومؤثر على اختيارات الطالب في صندوق الانتخابات .
- شدة واحتدام المنافسة بين حركتي فتح وحماس في الجامعات وتقارب النتيجة بينهم مع تفوق لحركة فتح ، حيث من الممكن أن تنسحب تلك النتائج على شعبيتهم في الخارج مع إجراء انتخابات تشريعية أو رئاسية مستقبلاً .
- اتفاق المصالحة بين وفدي منظمة التحرير وحماس في غزة كان له تأثير كبير على تنقية الأجواء وعزز من الروح الوطنية وهذا ما ظهر بشكل خاص في انتخابات جامعة بير زيت ، حيث كانت الأجواء وحدوية وتدعو للتفاؤل بتشكيل مجلس طلبة موحد في الأيام القادمة .
- العمل الوحدوي المشترك سواء على الصعيد الطلابي أو الوطني هو الضامن الوحيد لشعبنا في معركته ضد المحتل .
- تراجع قوى اليسار وخاصة في جامعتي الخليل وبوليتكنك فلسطين، مع الحفاظ على منافستهم التاريخية لحركة فتح في جامعة بيت لحم ، وأصبحت مركز الميزان في جامعة بير زيت بحيث لا يمكن أن يشكل المجلس القادم إلا بمشاركتها فيه ، ولكن بشكل عام القوى اليسارية في تراجع وهي بحاجة ماسة لإعادة ترتيب أوضاعها وجماهيريها حيث أن وجودها القوي والفاعل له دور ايجابي وضروري على صعيد الجامعات بصفة خاصة وعلى صعيد الوطن بشكل عام .
- على الرغم من تقديرنا أن للسياسة دور بارز وتأثير كبير في كل مناحي حياة شعبنا ومنها الانتخابات الطلابية ، ولكن يجب أن يكون الاهتمام الأبرز بالطالب والعمل على مساعدته في حياته الجامعية والوقوف إلى جانبه ، بحيث تشكل مجالس طلابية مهنية قوية هدفها الأول خدمة الطالب وهمها الأكيد العمل على تلبية مطالبه .
- الأجواء الديمقراطية والنزاهة والشفافية التي تميزت بها انتخابات الجامعات تؤكد من جديد مدى الرقى والتطور الذي وصلت إليه جامعاتنا الفلسطينية ويجب العمل بقوة على استمرارية هذه الظاهرة الإيجابية وتعزيزها بكل عوامل النجاح .
ختاماً أتمنى أن تجرى انتخابات مجالس الطلبة في جامعات غزة حتى يتمكن الطلاب من اختيار مجالس طلاب يمثلونهم بصدق وقادرين على إيجاد حلول لمشاكل الطلاب ، وأن يتمكن الشباب الفلسطيني من قيادة القضية الفلسطينية بعد أن ثبت للجميع أنهم الأحرص على وحدة الشعب الفلسطيني والأوفى لدماء الشهداء والتضحيات الجسام لشعبنا .