لا شك أن الحرية رأس الخيرات للأمة , وأعني بالحرية في العادة تلك الخاصة التي تميز الكائن الناطق من حيث هو موجود عاقل تصدر أفعاله عن إرادته هو لا عن أية إرادة أخري غريبة عنه , بينما ليس على الأرض إنساناً له الحق في أن يملى على الآخر ما يجب أن يؤمن أو يحرمه من حق التفكير وحرية الكلمة , وما دام الإنسان على وفاق مع ضميره فإنه يستطيع أن يستغني عن كل من يعارضه في ذلك ومواجهة الضغط والقهر , مهما كانت الجهة التي ترأس هذا الضغط . وهذا السلوك جزء من العنفوان الداخلي للشباب والاعتداد بالنفس من خلال شعوره بالحيوية فكراً وحركة ، وبما يشكل طاقة جبارة نحو التقدم . ولعلنا حديثنا هنا يرتكز بشكل خاص على شريحة الشباب باعتبارها عماد المجتمع والركائز القوية التي تستند عليها كل نهضة نحو بناء الأوطان وإرساء دعائمها , وقيادة الأمم والشعوب نحو الحرية والانطلاقات الواسعة الرحبة , والخروج بشعبهم من التقوقع والجمود , وبالتالي ما عليهم من مرتكزات في تربية الأجيال القادمة , حيث فترة الشباب هي المرحلة التي يتمتع فيها الإنسان بكامل قواه الجسدية , والتي تمثّل مرحلته أخصب المراحل في عمر الإنسان من حيث قوة جسمه وبنيانه واكتمال نموه ورشاد عقله , ولهذا كانت هذه المرحلة أهم المراحل في حياة الناس ومن هنا كان التركيز دوماً على الشباب للاضطلاع بالأدوار الصعبة والقيام بالمهمات الثقيلة وذلك لقوة التحمل الموجودة فيهم بالفطرة في هذه المرحلة من العمر . وعليه فإن ظهور الحركات الشبابية بمختلف مسمياتها ومبادئها , هي نتاج طبيعي لسعي الإنسان دائما وأبداً إلى التطور والتحول محاولاً اكتساب عناصر جديدة وعديدة , وهذه هي طبيعة الحياة نحو التغيير والتطور , في حين تؤكد لنا التجارب العميقة , بأنه لا يضمن الحرية للأفراد وإنصاف الشباب وحقوقهم إلا حكومة قوية , حيث علّمنا الاختبار الطويل أن الشعب متى كانت حكومته ضعيفة ظلم واضطهد , ولذا فإن أولئك الخطابيين الذين يعملون على تقييد حرية الفكر يرتكبون أشنع الجرائم . أما والقانون موضوع لحماية المجتمع فلا يمكن أن يكون أقرب إلى معنى العدل من المجتمع نفسه . وما دام المجتمع قائما على الظلم فستظل القوانين عاملة على حماية الظلم وتأييده , وهنا حق على كل إنسان وكل عالم يؤمن بحرية الفكر باعتبار ذلك وسيلة لحماية حقوق الإنسان في مختلف أماكن تواجده , واحترام إنسانية الإنسان و دعم حريته , بعيداً عن الفروق والحواجز التي تنتجها الطوائف والأحزاب وتضعها بين الإنسان والإنسان , وذلك من خلال السعي لتشكيل تجمع فاعل للنضال المجتمعي السلمي الايجابي عن طريق ممارسة العمل الثقافي , السياسي , الاجتماعي , بالإضافة إلى مختلف أنواع الإبداع الفكري . كما أن ذلك يؤدي أيضاً إلى تثقيف المجتمعات عبر عصف للأفكار الايجابية وكيفية تحويلها إلى أفعال تخدم المجتمع . وانطلاقاً من ذلك أيضاً يأتي ضرورة الوعي الشبابي بواجباته ومسؤولياته تجاه التطورات الوطنية والمجتمعية ، وأهمية اتخاذه موقفاً ايجابياً فاحصاً لشتى المتغيرات . ومن منطلق الحرص على حرية الفكر , فإن العمل الشبابي بمختلف حركاته وتجمعاته هو فهم للماضي وإصلاح للحاضر ونهضة للمستقبل , وفهم الماضي هو فهم التاريخ وإصلاح الحاضر عن طريق نشر التوعية وحرية الفكر والنهضة بالمستقبل من خلال إعداد جيل واعي وقادر على بناء المجتمع , فالشباب طاقة إنسانية تتميز بالحماسة ، الحساسية ، الجرأة والاستقلالية . ولذا فإن الشباب المتقد بحيوية في تفاعله مع المعطيات السياسية ومتغيراتها ومع معطيات المجتمع ومتطلباته هو الضمانة للتقدم بثبات فيما تبقى مختلف الحركات الشبابية التي لا تحظى بهذه الطاقة الخلاقة مهددة بالانهيار والموت أو على أقل تقدير التقوقع والمراوحة في ذات المكان . وأرى أنه لا بأس من وجود مرجعيات فكرية تؤمن بحرية الفكر من أجل مد الحركات الشبابية بالأفكار والتصورات التي تضمن استمرارها .