تاريخ النشر: 2025-09-18 | 12:47
تاريخ النشر: 2025-09-18 | 12:47
تُظهر التحولات الأخيرة في الخطاب الإعلامي الغربي بشأن الحرب على غزة حدود قدرة المؤسسات الإعلامية على الإستمرار في التعتيم على الإنتهاكات ، خاصة مع بروز دور الإعلام البديل والحراك الشعبي العالمي الذي كسر الرواية الرسمية وهيمنتها (Chomsky, 2011) ، هذا التغيير يعكس أنّ الرأي العام العالمي بات أكثر انخراطاً في مساءلة السياسات الإسرائيلية والإعلام الغربي على حد سواء ، من أبرز المواقف اللافتة موقف الممثلة العالمية أنجلينا جولي ، التىّ عبّرت علناً عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني 🇵🇸 واعتراضها على ما يتعرض له من إبادة جماعية ، وقد واجهت جولي حملة واسعة من التنمّر والانتقادات التىّ استهدفت حياتها الشخصية وصحتها وقراراتها العائلية ، وهو ما يكشف عن طبيعة الخطاب الإسرائيلي الذي غالباً ما يوظّف الهجوم الشخصي في إسكات الأصوات المعارضة (The Guardian, 2024) ، ويعكس هذا السلوك طبيعة البنية الإجتماعية الإسرائيلية المتأثرة بمشروع استيطانيّ استعماريّ طويل الأمد ، أدى إلى تآكل الأسس الأخلاقية وإرتفاع معدلات الإضطرابات النفسية داخل المجتمع (Pappe, 2006) ، يبقى السؤال الجوهري هنا 👈 : هل يمكن للعالم أن يواصل تجاهل ما يحدث في غزة من إبادة جماعية وتجويع ممنهج؟، والذي تؤكّد تقارير دولية بقتل 3 ألاف فلسطيني أثناء حصولهم على المساعدات ، إن الإجابة الأخلاقية برزت من خلال مواقف بعض الشخصيات العامة ، مثل الممثلة الأمريكية اليهودية هانا أينبندر، التىّ استثمرت منصة حفل توزيع جوائز “إيمي” لعام 2025 لتطلق شعار “فلسطين حرة 🗽” في لحظة رمزية ذات أثر عالمي (Variety, 2025).
إلى جانب هذه الأصوات ، برزت مواقف سياسية مهمة مثل موقف رئيس الوزراء الإسباني 🇪🇸 بيدرو سانشيز ، الذي أتخذ مواقف جريئة دفاعاً عن الحق الفلسطيني ، مما أعاد إلى الأذهان خطابات ومواقف قادة ثوريين كجيفارا وكاسترو وتشافيز (El País, 2024) ، كما أنضمّ إلى هذه الجبهة التضامنية عدد من الفنانين والمثقفين العالميين ، مثل الممثل الإسباني خافيير بارديم ، والممثلة الأمريكية سوزان ساراندون ، وميغان ستالتر ، والمخرجة لوسيا أنيلو ، والممثلة إيمي لو وود ، هؤلاء جميعاً وغيرهم وظّفوا منصاتهم الفنية والشخصية للتحذير من خطورة ما يحدث في غزة ، ورفضوا الصمت أو الحياد ، مقدمين نموذجاً للمقاومة الثقافية والفنية في مواجهة السياسات الحكومية الغربية (Al Jazeera, 2025) ، وإن هذا التلاقي بين الإعلام البديل ، والحراك الشعبي ، والأصوات الفنية والسياسية البارزة ، يؤكد أن الخطاب العالمي حول فلسطين يشهد تحوّلاً نوعياً ، كما يثبت أن مقاومة الإبادة لا تتجلى فقط في الميدان ، بل أيضاً في معركة السرديات والرموز الثقافية …
في كل مجالٍ من مجالات الحياة نجد المبدعين ، كما نجد المزيفين ، والسياسة ليست استثناءً ؛ إذ يختبئ وراء واجهتها مجرمون تلطّخ سياساتهم وجه الشمس ، لكنهم أضعف من أن يواجهوها مباشرة ، واليوم ، لم يبقَ مع إستمرار العدوان سوى حكومة نتنياهو وإدارة البيت الأبيض تدافعان عنه ، فيما أدرك العالم أجمع أن هدف إسرائيل 🇮🇱 لا يتمثل في مواجهة المقاومة ، بل في قتل الأبرياء ، وخصوصاً الأطفال (منظمة العفو الدولية، 2025 - 2023) ، ورغم هذا الواقع ، ما يزال الرئيس الأمريكي ترمب 🇺🇸 ، ومن قبله الإدارات الأمريكية ، منشغلين حصراً بقضية الأسرى الإسرائيليين ، في حين يتم التغاضي عن آلاف الفلسطينيين الذين يُختطفون ويُسجنون في ظروف مأساوية داخل المعتقلات الإسرائيلية ، حيث يواجهون التعذيب والإهانات والتجويع (هيومن رايتس ووتش، 2022) ، أما الضحايا الفلسطينيون الذين قتلتهم الآلة العسكرية الإسرائيلية على مدار عقود واليوم ، والدمار المستمر في غزة ، والإستيطان المتصاعد في الضفة الغربية والقدس ، فكل ذلك لا يعدو كونه بالنسبة لواشنطن “جزءاً من التفاهمات الاستراتيجية” (الأمم المتحدة، 2021).
هذا التبرير يتناقض مع أصوات إنسانية بارزة حول العالم ، مثل الممثلة هانا ، التىّ تؤكد أن اليهودية ليست مرادفاً لإسرائيل ، وأن كثيراً من اليهود لا يؤمنون بالصهيونية ، وما يجري في فلسطين اليوم ليس سوى إنعكاس لنهج قائم على العنف كخيار اجتماعيّ وسياسي داخل الدولة العبرية (إدوارد سعيد، قضية فلسطين، 1979) ، من هنا 👈 يصبح إسقاط الضحايا أمراً مبرراً في نظر الجناة ، طالما يُنظر إليهم على أنهم لا يستحقون الحياة ، وهكذا يستمر القتل في غزة ، حيث يُعامل الأبرياء كأنهم غير موجودين حتى لو بلغ عددهم الملايين ، بينما تُعامل قضية الأسرى الإسرائيليين ، مهما كان عددهم محدوداً ، كأولوية قصوى ، وفي البداية ، حاولت إسرائيل إخفاء جرائمها بعد عملية “طوفان الأقصى” عبر التذرع بسردية “الشرعية”، لكن سرعان ما أنكشف الأمر ، خصوصاً لدى الرأي العام الغربي ، بأن ما يجري في غزة ليس سوى جريمة منظمة مرتبطة بالسياقات التاريخية والسياسية للمشروع الصهيوني (تشومسكي، غزة في أزمة، 2010) …
تُظهر السياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية انحيازاً واضحاً لصالح إسرائيل ، حيث يُختَزل الخطاب السياسي والدبلوماسي للبيت الأبيض في قضية الأسرى الإسرائيليين ، وكأنهم يشكّلون محور الإهتمام العالمي ، ولا يقتصر هذا الموقف على الخطاب الرسمي الصادر من واشنطن ، بل يمتد ليأخذ بُعداً رمزياً في زيارات المسؤولين الأمريكيين لحائط البراق (المبكى) ، وهو ما يعكس توافقاً ضمنياً مع المشروع الاستيطاني والسياسات التوسعية الإسرائيلية (Pappé, 2006) ، هذا الإنحياز يجد تفسيره في العلاقة البنيوية بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة والحركة الصهيونية ، حيث تتجاهل الولايات المتحدة 🇺🇸 بصورة ممنهجة الجرائم الموصوفة دولياً باعتبارها تطهيراً عرقياً وجرائم حرب (United Nations, 2023) ، وفي الوقت الذي تُظهر فيه بعض الشخصيات العامة ، مثل الممثلة الأمريكية هانا أينبندر، مواقف نقدية تفصل بين الدين اليهودي وسياسات الدولة الإسرائيلية (Hollywood Reporter, 2024)، فإن الموقف الرسمي الأمريكي يظل ثابتاً في دعمه لإسرائيل ، بغض النظر عن حجم الإنتهاكات الإنسانية .
فقد خلّفت السياسات الإسرائيلية ، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة ، كوارث إنسانية كبرى شملت سقوط عشرات الآلاف من الشهداء وإصابة مئات الآلاف ، معظمهم من الأطفال ، إضافة إلى أوضاع مأساوية من مجاعة ونزوح جماعي (OCHA, 2024) ، ومع ذلك ، تبقى الإدارات الأمريكية غير مكترثة بهذه المآسي ، مركّزةً بدلاً من ذلك على قضايا الأسرى الإسرائيليين بإعتبارها أولوية سياسية وإنسانية ، إن إستمرار هذا الموقف يعكس تواطؤاً ضمنياً مع سياسة الإبادة الجماعية التىّ ينتهجها الإحتلال الإسرائيلي ، وهو ما يجعل المجتمع الدولي أمام إشكالية أخلاقية وسياسية عميقة ، ويُرجَّح أن هذا التواطؤ لم يكن ليستمر لولا غياب موقف فاعل من الدول العربية والإسلامية ، الأمر الذي يمنح كلّاً من واشنطن وتل أبيب هامشاً أوسع للمضي في سياسات التهجير والقتل الجماعي (Finkelstein, 2018) …
تُشير الدراسات إلى أنّ الحركة الصهيونية وظّفت المحرقة (الهولوكوست) كأداةٍ سياسية للحصول على شرعية دولية لسياساتها التوسعية والحروب والإحتلال ، وصولاً إلى ممارسات التهجير والتجويع والإبادة بحق الشعب الفلسطيني (Pappe, 2006) ، وقد استُخدم خطاب “معاداة السامية” بشكل متكرر لتبرير إمتلاك إسرائيل للتفوق العسكري والتكنولوجي ، وتوظيفه في إخضاع الفلسطينيين والمنطقة ، في حين تحوّل إحياء ذكرى المحرقة🔥إلى طقسٍ سياسي ملزم للزائرين الرسميين لإسرائيل ، بما في ذلك الوقوف في متحف ضحايا الهولوكوست ، وزيارة حائط البراق ، في إطار تعزيز سرديةٍ محددة تسعى إلى شرعنة الدولة العبرية (Finkelstein, 2000) ، وتذهب بعض التحليلات إلى أنّ ممارسات الحكومة الإسرائيلية وجيشها في تجميع الفلسطينيين وحصرهم في مناطق ضيقة ، ولا سيما في جنوب غزة ، توازي من حيث الجوهر سياسات “الحل النهائي” التىّ أنتهجها النازيون ضد اليهود والأقليات ، من خلال محاولات الإبادة الجماعية والإقصاء الجغرافي (Human Rights Watch, 2021) ، ويُلاحظ أنّ الموقف الأمريكي ، عبر إنكاره الممنهج للانتهاكات الإسرائيلية ، أسهم في مضاعفة معاناة الفلسطينيين ، بل وفي فرض سرديةٍ مضادة تقلّل من شأن الجرائم والانتهاكات التىّ يتعرضون لها (-2025Chomsky, 2015) .
كما عكست الزيارات الرسمية الأمريكية لإسرائيل ، مثل زيارة وزير الخارجية الأخيرة للقدس وحائط البراق ، ما يمكن وصفه بمحاولة “تبييض” صورة الإحتلال وتبرئة مرتكبي جرائم الإبادة ، وهو ما يُثير إشكالات أخلاقية عميقة تتعلق بإستخدام التاريخ ، وخاصة المحرقة وخطاب معاداة السامية ، لتغطية ممارسات تنتهك القانون الدولي (Said, 1979) ؟ ، ويكشف هذا التوظيف السياسي للتاريخ عن أزمة أخلاقية مستمرة لدى المجتمع الدولي ، الذي لم يتمكن حتى الآن من الوفاء بالتزامه المعلن بعدم تكرار جرائم الإبادة الجماعية (United Nations, 2022) …
تُظهر كلمات هانا الفارق الكبير بين دينها وثقافتها وبين دولة الإحتلال ، وتكشف تناقضاً صارخاً مع مواقف القوى اليمينية في أوروبا وأمريكا ، التىّ تتسامح كثيراً مع سياسات حكومة نتنياهو ، دون إكتراث حقيقي بالسامية أو بضحايا المحرقة التاريخية ، بينما تركز على توسع المشاريع الاستيطانية (Human Rights Watch, 2023; Amnesty International, 2023).
في الوقت نفسه ، تواجه ناشطات مثل هانا وأنجلينا وغيرهما تحريضاً مستمراً من قبل السلطات الإسرائيلية ، لأنهن يكشفن السياسات العنصرية والإجرامية ويرفضن تكرار المحرقة بأي شكل ، سواء عبر الصواريخ والقنابل أو غيرها من وسائل العنف (Pappe, 2017; Bar-Tal, 2013) ، كما أن دعمهن الواضح لحقوق الشعب الفلسطيني يعكس التزاماً حقيقياً بالقيم الإنسانية والعدالة الدولية (United Nations, 2022; Klein, 2018) …