تاريخ النشر: 2016-09-14 | 14:37
تاريخ النشر: 2016-09-14 | 14:37
شاهدت اول مظاهره في حياتي في عام 1976م،في مصر وكانت المناسبة هي الثورة على غلاء الاسعار ، وقد كانت الميادين المصرية تعج بالبشر وكنت وقتها اسكن في حي شعبي اسمه "حي الوايلي" وكان الناس وقتها يهتفون بعلو اصواتهم "يا جيهان قولي للبيه الأنبوبة بقت بجنيه" ، والمقصود بالبيه وقتها هو الرئيس الراحل انور السادات .
في الاسبوع الذي تلا الثورة ذهبنا الى المدارس وطلب منا معلم اللغة العربية آنذاك كنت في مدرسة سعد زغلول الابتدائية الكتابة عن ذلك الحدث ، ولسوء الحظ كلفني المعلم مع خمسه اخرين من الزملاء بالكتابة حول ما كان يطلبه الجمهور المحتشد ولم يستطع اي منا استذكار اي مطالب غير الشعار السابق ، فكتبنا جميعا بان المطالبات كانت في حدود الشعار السابق وهو وقف الغلاء المفاجئ والطارئ على حياة الناس .
تذكرت هذه القصة وانا في تونس في منتصف عام 1992م، وكنت في مقهى على شاطئ سيدي ابو سعيد اتبادل الحديث مع استاذ في جامعة 6 ابريل ، خلال اقامتي بتونس ولاحظت نفوراً شديدا من اي نقاش سياسي وحين يتحدث لا تميز ما يقوله عما سبق ان قراته في صحيفة ذلك اليوم او ما سمعته في التلفاز ، ومن ذلك مثلا اني شكوت لمسؤول حكومي ويسمي في تونس عضوا في الحزب الدستوري الديمقراطي الحاكم في زمان الرئيس السابق زين العابدين بن علي وشكوت له عن تسلط لبعض رؤوس الاموال وتحديدا من اقارب الرئيس على معظم مناحي الحياه الاقتصادية ، فتصوروا معي رده على بان افاض واستفاض في الحديث عن انجازات الحزب والرئيس والحاشية .
ذكرت القصة لاحد أصدقائي فيما بعد فضحك مقهقها وقال لي ساخراً إن جوابي يوجد في نظرية الكلاب الضالة وهو الوصف الرسمي لمن يعارضون "فكر الحاكم " .
ثم اخرج محفظته واخرج منها صوره للسيد الرئيس وعلق باسما انها "حرز من الموت" ذهبت هذه القصص وامثالها كثر في تجاويف الذاكرة سنوات ، حتى قرات كتابات "حنا ارندت " عن الحكم الشمولي ، وكيف يؤدي الى تجويف المجتمع وتفكيك روابطه الداخلية ويحول اعضاؤه الى ذرات هائمه تعيش ليومها فقط وتفقد مع ذلك كل شيء يتعلق للتفكير بالشأن العام وبالمستقبل .
والنظم الشمولية تتميز بقوة واستقرار بالغين لكنها وعن غير قصد ميكروب للتفكك المجتمعي وانعدام للثقه بالمجتمع الذي تحكمه ... وحين ينكسر السقف نجد انفسنا امام مجتمع يفتقر تماماً الى الاجماع على اي شيء ويسعي افراده لضمان مصالحهم الشخصية بقوة السلاح ... وهذا ما يرعب في المشهد .