انتهت مراسم تشييع علي خامنئي، لكن المعركة الحقيقية داخل نظام ولاية الفقيه بدأت بعد انتهاء مراسم العزاء. فما حاولت السلطة تقديمه بوصفه انتقالاً هادئاً للقيادة، تحول إلى بداية مرحلة جديدة تتسم باحتدام الصراع على القرار، وتنافس مراكز القوة، وغياب المرجعية القادرة على فرض الانضباط الذي ميّز عهد خامنئي.
لقد استثمر النظام إمكانات هائلة لتحويل الجنازة إلى إعلان عن استمرار النظام. غير أن الوقائع جاءت معاكسة لما أرادته الدعاية الرسمية. فالهتافات التي استهدفت الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، والجدل العلني بين التيارات المختلفة، والبيانات المتناقضة الصادرة عن مؤسسات النظام، كلها أوحت بأن المشكلة لم تعد في كيفية تشييع خامنئي، بل فيمن سيقود النظام بعده، وكيف ستُدار السلطة في غياب الرجل الذي كان يحتكر القرار النهائي.
وليس سراً أن معركة الخلافة لا تدور حول شخص مجتبى خامنئي وحده، بل حول طبيعة النظام في المرحلة المقبلة. فالحرس الثوري، والتيار المتشدد، والحكومة، والمؤسسات الدينية، ومجلس الخبراء، لكل منها حساباته ومصالحه ورؤيته لكيفية الحفاظ على النظام. ولذلك لم يعد الخلاف مقتصراً على ملف التفاوض مع الولايات المتحدة أو إدارة الملفات الإقليمية، بل أصبح صراعاً على موازين القوة داخل الدولة نفسها.
وقد كشفت مراسم التشييع أن الولي الفقيه الجديد، مهما كانت صفته، لا يمتلك حتى الآن المكانة التي كان يتمتع بها علي خامنئي. ففي السابق، كانت الأجنحة المختلفة تتصارع، لكنها كانت تقبل في النهاية بحكم المرشد. أما اليوم، فقد أصبح كل جناح يحاول فرض رؤيته مستفيداً من غياب المرجعية القادرة على إلزام الجميع، الأمر الذي ينذر بتوسّع الخلافات مع كل استحقاق سياسي أو أمني أو اقتصادي.
وتتزامن هذه المعركة مع ظروف داخلية هي الأصعب منذ سنوات. فالأزمة الاقتصادية تتفاقم، والاحتجاجات الاجتماعية لم تتوقف، والإعدامات تتزايد في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، فيما تواصل وحدات المقاومة توسيع نشاطها داخل المدن الإيرانية، مستفيدة من حالة الارتباك التي تعيشها أجهزة السلطة. ومع كل أزمة جديدة، تتقلص قدرة النظام على الجمع بين احتواء الشارع وضبط أجنحته في الوقت نفسه.
ولطالما أكدت المقاومة الإيرانية أن نظام ولاية الفقيه، مهما بدا متماسكاً، يحمل في داخله تناقضات يصعب احتواؤها عندما يفقد رأس السلطة قدرته على إدارة التوازنات. واليوم تبدو هذه القراءة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالصراع لم يعد بين السلطة والمعارضة فقط، بل أصبح أيضاً بين أجنحة تختلف حول وسائل البقاء، في وقت يزداد فيه المجتمع الإيراني اقتناعاً بأن الأزمات البنيوية للنظام لا يمكن حلها عبر تغيير الأشخاص أو إعادة توزيع المناصب.
إن أخطر ما كشفته جنازة خامنئي ليس حجم المشاركة أو مستوى التمثيل الرسمي، بل أنها شكلت نقطة الانتقال من مرحلة «إدارة الخلافات» إلى مرحلة «الصراع على الخلافة». وهذا التحول ستكون له انعكاسات مباشرة على قدرة النظام في إدارة الملفات الداخلية والخارجية خلال المرحلة المقبلة.
وبينما تحاول السلطة إقناع الرأي العام بأن صفحة قد طُويت، تشير المؤشرات السياسية إلى أن الصفحة الحقيقية قد فُتحت الآن. فمعركة الخلافة لم تعد سؤالاً عن هوية المرشد الجديد، بل أصبحت معركة حول مستقبل نظام بأكمله، يواجه انقسامات متصاعدة في القمة، وأزمات اقتصادية واجتماعية في القاعدة، ومجتمعاً يواصل الاحتجاج، ومقاومة منظمة تعمل على تحويل هذا التآكل الداخلي إلى فرصة تاريخية لإنجاز التغيير الذي يطمح إليه الإيرانيون.