هل على الفلسطينيين لوم؟
للمرة العاشرة يزور وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، فهل سيكون نتاج الزيارة إطارا عاما يقود لخارطة طريق جديدة تقود لحل الصراع! وهل يمكن أن يساعد الآخرون الذين ساعدوا من قبل على عودة المفاوضات قبل أشهر من خلال إعلان عمان..ومن الأكثر خبرة في حلّ الصراعات!
هل نبدأ بالعلم أم بحل الصراع؟
- ماء...مي!
- ..................
وانطفأ الحريق الصغيرّ..
تساءل الطفل: الماء أقوى من النار..؟ معقول؟ إنها النار؟
ومن يومها حضرت الماء لإطفاء كل حريق..
سيكبر الطفل، ويكبر السؤال:
لمــــاذا لا يحترق المـــاء؟
وفي حصص الكيمياء، سأتعلم أن خلط الحامض مع القاعدة سيعطي الملح والماء..
تساءلت وقتها كيف يكون نتاج خلط مواد حارقة والملح..
كنت في الصف الثالث الإعدادي حين طلبت من معلم العلوم الطيب إجراء تجربة الخلط، وبعد إجراء تجربة التفاعل الكيماوي، طلبت تذوق الملح الناتج ليطمئن قلبي..
دهش المعلم، لكن الملح وقتها كان سائلا، ثم قال لنتركه ليصير مسحوقا..
هل نترك الكيمياء قليلا ونعود للتطورات السياسية مع زيارة الوزير كيري!
ربما من الضروري أن نظل قليلا في الكيمياء..
سيكبر الفتى، وسيعلم أن الماء نفسه هو نتاج تفاعل الهيدروجين مع الأكسجين..وطبعا كلاهما لا يمكن شربهما، وسيندهش كيف يصبح نتاج تفاعلهما معا هو الماء الذي يطفئ العطش..!
كم هو مشوق علم الكيمياء هذا!
كم فيه من مفارقات ومن عجائب مما نعرف ومما لا نعرف وهو أكثر....!
لذلك لن يعجب الشاب والكهل بعد ذلك حين يسمع عن إمكانيات توليد الطاقة من الماء!
أعود للماء..
وسأقرأ ما كتبه كيميائي ربما:
"هل سألنا أنفسنا لماذا لا يحترق الماء وهو مكون من مادتين رئيسيتين قابلتين للاشتعال، إحداهما : الهيدروجين وهو شديد الاشتعال، ويستعمل في عمليات اللحيم والصهر، والثاني وهو الأوكسجين: الذي هو وقود النار ولا تتم إلا بوجوده؟!
فما هو السبب ؟ يقال أن العنصرين أعلاه قد احترقا أصلا بعملية الدمج فيما بينهما، وأصبحا عاليي الكثافة وهذا هو السبب. ويقال: إذا تم الجمع بين الهيدروجين والأوكسجين كيمياويا فإنهما يفقدان خاصيتيهما، وهما H2 و O2، وعليه فإنهما يتحولان إلى مادة أخرى لا تشتعل بل تساعد في عملية إطفاء الحرائق".
فهل نطفئ النار من مواد قابلة للاشتعال بعد أن تكون مرّت في ظروف تفاعلية معينة!
وهل هناك علاقة ما بين ما يحدث في المجتمع والحياة وبين ما يحدث في المختبرات!؟
علماء أجابوا بالإيجاب، وآخرون فصلوا، وقال هذا علم وذاك علم آخر..
لا مجال للخوض بالإجابات، ولكن يمكن البحث في الرمز وإمكانياته!
هل نترك بالعلم قليلا ونفكّر بالصراع بيننا وبين الإسرائيليين!
دول العالم الأول عانت من نزاعات طويلة داخلها، وبينها وبين جيرانها، فلم تأت مثلا الوحدة الإيطالية والألمانية والأمريكية..وغيرها بسهولة، بل مرّت بظروف نزاعات دموية وصولا إلى تكون الدولة القومية، كذلك عانت مثلا ألمانيا وفرنسا من نزاع دموي طويل حرق الأخضر واليابس، وصولا إلى السلام..
فرنسا وألمانيا مثل قريب، لأنهما ولم تكد الحرب تضع أوزارها، حتى بادرتا مع دول أوروبية أخرى لتكوين نواة الاتحاد الأوروبي..وهو اتحاد اقتصادي تعاوني بالأساس..
لقد تم الجمع بين الهيدروجين والأوكسجين كيمياويا..
والرمز هنا واضح: كل دولة عانت من ظروف النزاع هي أصلا صارت خبيرة في حل النزاعات، وهي تدرك نتائج النزاعات الوخيمة على مواطنيها..
وعليه، أدعو وزير الخارجية، وأنا أظن فيه الظن الطيب والجاد في حل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي أن يتأمل تجارب العالم، وهو المثقف الكبير والخبير في حل القضايا والصراعات، لعله يصل بنا وبالإسرائيليين إلى برّ الأمان..
ومفتاح الحلّ بسيط وإنساني..حيث يمكن للوزير كيري أن يسأل الطرفين:
فيقول للإسرائيليين: ضعوا أنفسكم مكان الفلسطينيين..
ويقول للفلسطينيين ضعوا أنفسكم مكان الإسرائيليين..
وما لا تقبلوه لأنفسكم يعني أنكم لا تقبلوه لغيركم!
أ"َيُّها الواقفون علي العَتَبات ادخُلُوا،
واشربوا معنا القهوةَ العربيَّةَ
غقد تشعرون بأنكمُ بَشَرٌ مثلنا.
أَيها الواقفون علي عتبات البيوت!
اُخرجوا من صباحاتنا،
نطمئنَّ إلي أَننا
بَشَرٌ مثلكُمْ!"
صراع معقد طويل لكن حله بسيط لو صفت النوايا وسلمت..
البلاد المقدسة هنا تنادي كل إنسان غيور على السلام بأن يطفئ النار هنا!
في المثل الألماني-الفرنسي دعوة للتأمل، فقد صار معروفا أن يختار الألمان والفرنسيين مبنى واحدا للمركز الثقافي الألماني-جوتة، والمركز الثقافي الفرنسي في الخارج، وفي رام الله بالقرب من مركز المدينة، بصافح العيون مشهد العلمين الألماني والفرنسي يرفرفان على بناية واحدة، هي بناية المركزين الثقافيين المذكورين!
إنها فلسفة ليس حل النزاع فقط، بل ديمومة إنهائه وجدية عدم العودة إليه..
فهل نأمل مثلا في المستقبل أن يصنع الفلسطينيون والإسرائيليون فعل الألمان والفرنسيين! أم سيقول قائل: خيال وأوهام ورومانسية فكرية!
لكن لي أن أكون كذلك، فالخيال إيجابي يدعو للتأمل، ويدفع الإنسان لتجاوز مربعاته المعدنية إلى دوائر الزهور..
إن أي حل ينطلق من الإنسانية سينجح، وأي حل سينطلق من مجاملة القوة المادية على حساب قوة الحق المعنوية لن ينجح..فلماذا يحتار كيري في مسألة الأغوار مثلا! ولماذا لا نخرج من العلبة ونتأملها؟ ألا يمكن أن يتعاون الفلسطينيون والإسرائيليون في إعمار الأرض، في الأغوار والبرية في الضفة الغربية على نهر الأردن، وفي الأغوار وصحراء النقب في إسرائيل، وليعمّ الخير الجميع! وما الذي وقتها سيغير من جوهر الوجود السياسي؟ أليس من الطبيعي وجود سيادة فلسطينية على ما اتفق عليه منذ أوسلو باعتبار الاهتداء بالقرارين 242 و338!
تريدون التعاون أيها الإسرائيليون..أهلا!
تريدون مصادرة الأراضي بالقوة وتحويل الكيان الفلسطيني إلى مسخ..لا أهلا ولا سهلا..!
عندما ننجح بالتعاون، سيلتزم المتعاونون معا بالأمن للجميع إلى الأبد، لأن المصلحة العليا متحققة للشعبين..والأرض أرض خير وفيها ما يكفي البشر هنا..
فإذا لم يقبل الإسرائيليون لا بدولتين عاديتين، ولا بدولة ثنائية القومية، ولا بدولة واحدة، فهل يمكنهم أن يلدوا الوزير كيري ما الذي يريدونه بالضبط؟ وما الحل الأخلاقي والمنطقي الذي ينهي النزاع إلى الأبد؟
إذا كانت المسألة عناد..أو خلل أيديولوجي كولينيالي..فما الذي سيفعله الفلسطينيون وقد تعبوا من "تربية الأمل" ؟
"هنا، عند مُنْحَدَرات التلال، أمام الغروب وفُوَّهَة الوقت،
قُرْبَ بساتينَ مقطوعةِ الظلِ،
نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ،
وما يفعل العاطلون عن العمل:
نُرَبِّي الأملْ."
- فمن سيطفئ النار؟
- أظن أن القادر فعلا على إطفاء النار هم القادة الإسرائيليون إذا أرادوا!
- و؟
- ودور الوسيط النزيه الأمريكي وغيره، هو دفع الإسرائيليين بحنان وقسوة إلى ترك المنظور الكولينيالي في الحلّ، فالأمر واضح..
- و؟
- من كان جادا في السلام وبالسلام ولأجل السلام عليه أن يثبت القول بالفعل..
- و؟
- هذا ما عند من صار تعبا من "تربية الأمل"!
لعلها الكيمياء في المختبر والحياة، لعله السلام الممكن..لعل الإسرائيليين يقرؤون ويتأملون مثلنا، ويكونون أكثر مرونة، ويتركوا الفكر المعدني..فالحياة بسيطة وهي أجمل في السلام كثيرا..فخط جناح يمامة في الفضاء القريب أروع كثيرا من جناح طائرة بقربه نار..
وأخيرا هو ما ابتدأنا به: لا لوم للفلسطينيين أبدا..
*من يطفئ النار؟ فيلم عربي من أخراج محمد سلمان، ومن بطولة فريد شوقي ورغدة ووليد توفيق وآثار الحكيم، فيه إشارة للحرب الأهلية في لبنان، ودعوة لحل النزاع، حيث غنى وليد توفيق أغنية من وحي هذا العنوان.
الاقتباسات من قصيدة محمود درويش حالة حصار.