لا شك أن السلطة في الضفة لم تكن بمنأى عن اندلاع المواجهات في الضفة الغربية بين المواطنين وجيش الاحتلال ، ولا شك أنها أيضا أرخت قبضتها الأمنية بعض الشيء لتتيح المجال لهذا النوع من المواجهات ، للتنفيس عن صدور الشباب الغاضب والساخط على ما يجري في الأقصى من ناحية ، ولإيصال رسالة سياسية لأمريكا و"إسرائيل" أن البديل للسلطة هو الفوضى والمواجهات الدامية والعمليات المتواصلة ، لكن آخر ما تتمناه السلطة هو خروج هذه المواجهات عن السيطرة وفقدان الكنترول عليها ، بالمستوى الذي لا يمكن إيقافها بعده ، وأعتقد أن هذه المواجهات حتى الآن تحت السيطرة ولو شاءت السلطة وقفها ستفعل .
أما في غزة فالأمر مختلف ، كانت المواجهات غير عفوية ، جيّشت بعض الفصائل عددا من المواطنين والعناصر بعد صلاة الجمعة وتوجهوا في مسيرات للحدود مفتعلين مواجهة غير عادلة مع جنود الاحتلال ، سقط الشهداء والجرحى ، زعمت تلك الفصائل أنها ساندت القدس وأنها ليست بمنأى عما يجري في الضفة الغربية ، فيما تحافظ على توازن معين في طبيعة المجابهة كونها لا ترغب في دخول غزة في مواجهة كبرى ليست في أوانها على الإطلاق .
بالنسبة لجيش الاحتلال كانت خيارات المواجهة مختلفة، بدايةً كانت طبيعة المواجهة قاسية ، وإطلاق نار كثيف أسقط عددا من الشهداء والجرحى ، مما جعل بعض الصواريخ الفردية تنطلق نحو النقب المحتل، فحافظ الاحتلال على طبيعة الرد ووجه القصف نحو مواقع للمقاومة وغالبا ما تكون فارغة في هكذا ظروف ميدانية ، لكن مشيئة الله عز وجل كانت أن تستشهد امرأة حامل وطفلتها في انهيار منزل مجاور لمكان القصف، ذلك على ما يبدو كان سببا في عدم رد الاحتلال على صواريخ الأمس وقراره محاولة احتواء الموقف، فيما يبدو وكأنه رسالة للمقاومة أن الاحتلال لا يرغب بالتصعيد وأن قصف المنزل كان عن طريق الخطأ ، وأيضا شدّد الاحتلال على جنوده أوامر إطلاق النار على حدود غزة ، ويبدو ان ذلك أيضا يدخل في إطار محاولات إحتواء التصعيد الذي بالفعل ليس في صالح أي طرف الآن خاصة غزة وأهلها الذين لم يستفيقوا بعد من الدمار الذي حلّ بهم العام الماضي .
أعتقد جارما أن حكومة حماس ستبدأ بمنع الشباب من الوصول للحدود تدريجيا ،وتشدد قبضتها على مطلقي الصواريخ الفردية في هذه المرحلة ، لأنها تدرك أن صاروخ واحد يوقع إصابات في جانب الاحتلال كافٍ جدا لاندلاع مواجهة غير محسوبة وغير محمودة العواقب .
غزة في هذه المرحلة بالفعل خاضعة للمقامرة مرة تلو الأخرى ، والخسائر تطالها بكافة الجوانب ،ولا يمكن توقع ماذا يمكن أن يحدث ، سوى أن الجميع هنا يدرك تماما أن غزة تعيش حالة حرب مستمرة ، وفي انتظار اندلاع النار في أي لحظة في حال اختلطت أوراق اللعب بشكل غير متوقع .