تاريخ النشر: 2018-05-21 | 13:42
تاريخ النشر: 2018-05-21 | 13:42
إلى أي مدى يمكن أن نسمي أنفسنا بالحضاريين، أو المواكبين للتقدم والحياة، نعم نحن محاصرون في غزة، ولكن لدينا انتر نت على مدار الساعة، نطّلعُ فيه على حضارات العالم الحر، نقلد أو نتحسر، لكن في المجمل تحاول غزة أن تظهر بمظهر فيه من الأمان والحياة الكثير، بطبيعة الحال ذلك يكونُ عندما تريد الحكومة أو لا أدري بما أسميها هنا في غزة، لا سيما فيما نمر فيه من فوضى المصالحة، واختلاط الأوراق، وشتات الأفكار بين الشمال والجنوب، كي نخرج من هذه المشتتات نسميها حاكمة غزة، على كلٍ نريد أن ننفرد بمشهد حضاري موجود في مدن الدنيا كلها، لكنه من طريق ما، يُنظر إليه في غزة نظرة مختلفة.
عن الموسيقى أتحدث، وعن تجارب شخصية أكتب، وتجارب أصدقاء آخرون كنت جزءًا منها أحيانا، وأطلعت عليها منهم أحيانا أخرى.
لا أخفيكم سرًا، كم تحتاج لجراءة وشجاعة كي تحمل آلتك الموسيقية على كتفك وتخرج بها إلى الشارع، تكاد تأكلك العيون، وترميك بسهامها اللِحاظ، وتختلف النظرة بالتأكيد تبعا للخلفية الثقافية والانتمائية، فلدينا الشباب الغير مؤطر الحر بفكره، يستوقفك معجبًا بما معك، ويسألك كيف له أن يحصل على آلة موسيقية ويتدرب عليها، ويطلب آخرون منك أن يلتقطوا صورة بآلتك، مظهر حضاري وجميل يطريك ويدفعك للتأخر عن موعدك؛ لتروي ظمأ هؤلاء الذين يبحثون عن الحياة ولو في حقيبة عابر سبيل، في المقابل نظرة الآخرين الذين يسمون أنفسهم بالمتدينين، وحتى هؤلاء يختلفون، فالسمح ينظر إليك مبتسما وتراه يتمتم لتشعر أنه يدعو لك بالهداية مشفقًا عليك، وكأنك تفعل جرما، في المقابل هناك المتشددين الذين يرمقوك بنظرة دونية وعدوانية إلى الحد الذي يدفعك، إلى مغادرة المكان خشية التصادم مع هؤلاء، فالله وحده يعلم بما يفكرون وهالتهم لا تبشر بخيرٍ أبدًا، وتراه يزمجر مناجاةً مع الذي بجانبه، ويشير باشمئزازٍ إليك.
لك عزيزي أن تسحب الأمثلة السابقة على كل الفئات العمرية من كبارٍ وصغار، سيداتٍ وسادة.
هذا بما يتعلق بالناس، ويغنيك عن نظراتهم كلهم أنه ليس لهم سلطة عليك فلتفعل ما تريد، ما دمت مقتنعًا بما تقوم به، وليس ذنبك أنهم لم يرو ذلك إلا في التلفاز، في هذه المدينة التي تشبه الصندوق.
الأمر الأشد غرابة هنا، هو تعامل أجهزة الأمن مع حامل هذه الآلة، فأنت مضطرٌ أن تنتقل بآلتك في الشارع، وعليك أن تَعبُرَ عن بعض نقاط التفتيش، وتبدأ الأسئلة المقيتة هنا.
ماذا تحمل؟ تجيب: آلة موسيقية
ماذا تفعل بها؟ أعزف عليها
أين كنت؟ في مشوار
مشوار أهااا، ليس لدينا مراقص هنا فأين كنت؟ هذه إهانة لا أقبل بها
أنت دارس محاماة؟ لا أنا أدرس الأدب العربي
إذا تتفلسفش، بدك منو أشي يا أبو فلان؟
ينظر أبو فلان باستحقار إليك، ولا يجيب
تمكث برهةً تنتظر، ولا زالوا يرمقوك بعيونهم، حتى يهز برأسه أحدهم،
فينطق آخرٌ بالجوهرةِ التي اشتقت إليها: يلا امشِ من هان، واتكلم بأدب تاني مرة!!!
هذه محاورة حدثت معي شخصيًا على إحدى نقاط التفتيش حيث أعيش.
وهلم جرا مما يقدح في شخصك من محاورات مع هؤلاء على نقاط التفتيش، لولا سترُ اللهِ لانتهى بعضها بالاعتقال.
هذا على الطريق، أما إن اردت الذهاب لمكانٍ عام، وتعزف فيه مع أصدقاءك، فاذهب وأنت من جنيت على نفسك!
فجأة يجلس بجانبك اثنان وبعض دقائق تبدأ حفلة الاستجواب، في أقرب مركز شرطة، وعليك أن توقعَ تعهدًا بعدم تكرار ما تقوم به من خطرٍ داهمٍ على الأمن القومي للبلد المحاصر.
وإن عاندت وأطلت الحوار، فيداك أوكتا وفوك نفخ، ولتتلقى نصيبك من الشتائم والضرب، حتى يشفق عليك أحدهم ويقنعك أن توقع على التعهد، لأنك في كل الأحوال سوف توقع، راضيًا كنت أم ساخطًا، بلاءٌ وقع، فعليك مواجهته.