بعد 27 يوما من العدوان الإجرامي على غزة؛ ومن خلال تعابير وجه \"نتنياهو\" خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده أمس مع وزير حربه \"يعلون \"؛ يخرج المرء بنتيجة مفادها أن غزة انتصرت بالنقاط رغم الجراح ووحشية \"الجيش الأكثر أخلاقية\" والجيش الذي لا يقهر؛ بقتله لقرابة 400 طفل فلسطيني جهارا نهارا وأمام شاشات التلفزة العالمية.
جرت العادة في دول العالم التي تسمي نفسها متحضرة؛ إن أراد زعيم أن يرفع رصيده الإنساني والدعائي؛ أن يقوم بتقبيل واحتضان الأطفال، كمعاني إنسانية سامية وراقية؛ إلا انه هنا مع دولة الاحتلال المجرمة؛ يقوم \"نتنياهو\" بقتلهم بالجملة دون أن يرف له جفن، وأمريكا وكي مون يصفقون له ويؤيدونه تحت ستار مزيف ومقنع بالدفاع عن النفس؛ ولا بأس بقتل الأطفال في سبيل ذلك.
القارئ للعدوان الأخير على غزة في العصف المأكول؛ يخرج بقراءة واضحة لا لبس فيها؛ من أن \"نتنياهو\" أراد أن يردع غزة بعد تآكل قدرة الردع لجيشه الذي لا يقهر؛ نتيجة لبسالة وقوة وتألق المقاومة في غزة التي دكت تل الربيع \" تل أبيب\" والقدس وحيفا ومفاعل ديمونا و\"ايلات\"؛ فإذا به ينقلب السحر على الساحر، وتقوم غزه بردعه بدل أن يردعها.
عودة سريعة للوراء، فقد أراد بيرس عام 1996، في حربه على لبنان زياد حظوظه الانتخابية وفشل، وباراك أيضا أراد ذلك في حربه ضد الانتفاضة عام 2000، وفشل، وأولمرت وليفني في الحرب على غزة أواخر 2008، وفشلوا جميعا؛ و\"نتنياهو\" عام 2012 ، وألان عام 2014 يعاود الكرة ولا يحصد غير الخيبة والهزيمة.
تقرأ بشائر النصر في وجوه قيادات المقاومة في غزة، ومواصلة الحياة بشكل طبيعي فيها، رغم القصف والقتل، وفرحة وبهجة الضفة الغربية والقدس المحتلة، واعتلائهم أسطح المنازل ورؤوس الجبال لرؤية صواريخ المقاومة وهي تدك حصون بني صهيون وفرحة خطف الجبود، واقتحام قلب معسكرات الاحتلال.
الحديث عن خسائر المقاومة من قبل الطابور الخامس، والتشكيك بنصر المقاومة وان تضحياتها كبيرة هو اصطياد في الماء العكر؛ لان المقاومة وعبر التاريخ كانت تدفع أثمان أكبر مقارنة بالمحتل الغاصب، ففي الجزائر استشهد قرابة 45 الف متظاهر دفعة واحدة في يوم واحد؛ ولكنها في المحصلة والنتيجة النهائية كانت تحقق أهدافها بالحرية،\" إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون\".
تستطيع دولة الاحتلال بما تملك من أسلحة محرمة دولية، ومن أسبقية إجرامية؛ أن تستعرض عضلاتها، وتقتل الاطفال وتقصف وتهدم الجامعات والمدارس والمؤسسات والمباني في غزة، ولكنها لن تستطيع أن تدخل قلب غزة، أو أن تقتل فيها روح المقاومة وقدرتها على قض مضاجع \"نتنياهو\" نفسه.
الوضع السابق لن يبقى كما هو بعد العدوان على غزة، وغزة قبل العدوان ليست هي غزة بعد العدوان، وما حصل هو نقطة تحول في الصراع مع دولة الاحتلال، وما يحصل هو عبارة عن جولة من الجولات التي ستسجل وسجلت فيها المقاومة نقاط نصر وفخر وعزة، لان الزمن ما عاد يعمل لصالح دولة الكيان الظالمة.
كشف العدوان الأخير من هو مع المقاومة ومن هو ضدها؛ وكشف نفاق دول الاتحاد الأوروبي، وظلم أمريكا؛ إلا أن الأهم من كل ذلك أوضح بشكل جلي أن مصر العروبة هي ألان مسروقة ومغيبة؛ وهو ما دفع \"نتنياهو\"للإشادة بسرقتها في مؤتمره الصحفي، فالسارقون دائما يساندون بعضهم بعضا.
من الناحية العلمية والتاريخية، ما يجري من عدوان على غزة لا يخرج عن إطار السنن الكونية والتي قضت بزوال الظالم المتجبر، المغرور بقوته وجبروته، وبقاء وانتصار المظلوم وصاحب الحق، \"ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله \"، \"ويسالون متى هو قل عسى أن يكون قريبا\".