مرة أخرى، يستعيد الفلسطينيون هذه الأيام فكرة الأرض، بمفهوماتها الوجودية والرمزية. فمن دون الأرض، بمعناها الفيزيائي، لا معنى للوجود البشري كما نعرفه. كما أن الإنسان بلا أرض تخصه؛ تمده بأسباب الحياة وتمكنه أن يقف عليها ويستريح، سيفقد توازنه ويتعلق في الهواء. وقد يتمكن المنفي من البقاء في العالم المادي، لكن كينونته الإنسانية ستكون ناقصة حد الإيلام، وهويته سائلة بلا قوام. وقد اختبرت أجيال من الفلسطينيين هذا الشعور، حيث أصبح هذا الألم مكوناً عضوياً للذات الفلسطينية. وبالإضافة إلى فقدان الأمن الأساسي بفقدان الأرض، فُرض على الفلسطينيين تحت الاحتلال في الداخل مواجهة الإذلال والقتل اليومي؛ وفرض على المنفيين منهم مواجهة فظاعات الأزمات التي تعصف بأماكن تواجدهم في الشتات -خاصة في المنطقة العربية. ولم يتكفل تعاقب السنوات والأجيال في تخليصهم من هشاشة المهاجر أمام شتى العوامل، وكونه الخاصرة الضعيفة حيثما يستعر قتال.
من أكثر الأشياء التي تؤلم الفلسطينيين، ذلك الشعور الملازم بالخذلان. ولا بد أن يكون الفلسطينيون الذين تلقوا صفعة النكبة الأولى قد فكروا بالطريقة القبائلية السائدة في هذه الأنحاء: إننا في الأول والأخير جزء من هذه العشيرة العربية الكبيرة، ولن تسمح النخوة الموروثة في الجينات العربية بأن يضام ابن عم. وكثيراً ما يستشهد المتحدثون عن هذا البعد بعبارات الشاعر الفلسطيني محمود درويش في قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية"، والتي يقول فيها للحاكم العسكري الصهيوني: "سجل.. أنا عربي". وربما شكل الاعتصام بهذه الهوية الكبيرة وسيلة لانتزاع الأمل الشحيح من المشهد المهزوم، وتقمص الشعور بالأمن الذي يوفره المجموع أمام قوة غاشمة مستأسدة. لكن انهزام القبيلة كلها بعد ذلك، دمر حتى هذا الأمل. وفيما بعد، عمل التهاون العربي الرسمي بقوة في اتجاه تخليص الفلسطينيين من أي أوهام تجاه هذا المنتدى. لكن الفلسطيني ظل يجد روح الرفقة والتعاطف في القطاع الأكبر من مواطنيه العرب مسلوبي الإرادة في أوطانهم الخاصة.
لا ينسى الفلسطينيون تضحيات الأشقاء العرب المخلصين، الذين ضحوا بأرواحهم عن طيب خاطر دفاعاً عن كرامة جيرانهم وكرامتهم الخاصة. لكنهم يعتقدون بنفس المقدار بأن الهزائم التي مُني بها هؤلاء الطيبون من أهل النجدة، جاءت نتيجة لرداءة الإدارة العربية الرسمية للصراع، وسوء نيتها المبيت تجاه فلسطين. وفي الحقيقة، ثمة أفكار صعبة الترتيب حين يتأمل المرء الأثر الكارثي للتدخلات العربية العسكرية في فلسطين، ثم يفكر بأن أولئك الجنود الذين جاؤوا إلى هناك لم يكونوا سيئي النية، وإنما ذهبوا ضحايا هم الآخرون. ومع ذلك، جعل حجم الألم في الخبرة الفلسطيني مدفوعاً إلى تقدير الكليات وعدم الانتباه إلى الجزئيات. وعلى سبيل المثال، تحدث الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم، عن ذلك في قصيدته "التعاويذ المضادة للطائرات". وفي القصيدة، قالت ذاكرة الطفل عن أيام النكبة:
"عسكرُ "الإنقاذ" خرفان تولّي للشمالْ
عسكرُ "الإنقاذ" يُلقون البنادقْ
في الخنادقْ
وعلى الوحل..
.. يزتّون النياشين وشارات القتالْ..
عسكرُ الانقاذ، يا عار الرجالْ"!
بشكل ما، لا يختلف هذا عن الانطباعات الشعبية العربية اللاحقة عن الجيوش. إنها مكونة من الأبناء والأشقاء العزيزين، لكنهم يستعملونها، كمؤسسات، ضد "عدو" هو الأبناء والأشقاء. وبالنسبة للفلسطينيين، يتردد في خواطرهم دائماً نفس السؤال المشروع عن كل أشكال التدخلات المؤسسية والأيديولوجية، لصالح كل شيء إلا فلسطين. وفي هذه الفترات المشحونة بقدر وفير من "الإنقاذات" من مختلف الجهات، تصبح هذه التساؤلات أكثر إلحاحاً، وإيلاماً.
الغيورون على كرامة الدين والأخلاق، والذين يضيقون بالهيمنة الأجنبية، والذين يزعمون الانتصار لحريات المواطن العربي ومصادرة حقوقه، كلهم يتقاطرون إلى أماكن لا تقل بعداً عن أفغانستان، ولا يجدون صلة بين عناوينهم وبين فلسطين. وقد امتلأت المنطقة بدماء أهل المنطقة وأعيدت حضاراتها إلى القرون الحجرية تحت مختلف الذرائع، بينما الناجي الوحيد هو كيان الاحتلال الغريب الذي تسبب بالكثير من كوارث المنطقة وتغريب شبابها.
مع ذلك، ربما يكون من حسن حظ الفلسطينيين أن تبقى جهات "الإنقاذ" هذه بكل أشكالها، الرسمية والأيديولوجية، بعيدة عن ديارهم. فحيثما حل هؤلاء، يحل الخراب. ولعل الزمن القادم يحتفظ لهم بخير مخبوء!
عن الغد الاردنية