الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

نحتفل بالميلاد… أم نؤدّي واجبه

نحتفل بالميلاد… أم نؤدّي واجبه

تاريخ النشر: 2025-12-25 | 13:50

حين أعود بذاكرتي إلى صباحات عيد الميلاد في طفولتي، لا تلمع في ذهني صورة الشجرة المُزدانة بالزينة البراقة، ولا أضواؤها الحمراء الزاهية؛ بل تطفو أولًا رائحة معجون الحلاقة الخاص بوالدي. أذكر ألوان ربطة عنقه العريضة وهي تلتف حول رقبته النحيلة، وتتدلّى فوق بطنه الممتلئ. كان يتنقّل في البيت ببدلته الأبهى، تلك التي احتفظ بها لكل المناسبات؛ فكانت شاهدة على الأعراس، والجنازات، وبهجة عيد الميلاد.

كان والدي رجلًا مواظبًا على ارتياد الكنيسة كل يوم أحد صباحًا، ولم تفته خدمة كنسية قط؛ وكانت حياته تسير على إيقاع التقويم الليتورجي. أمّا عيد الميلاد، فكان ذروته الحقيقية. وحين كان يُهيّئ العائلة لهذا اليوم الاستثنائي، كان يندفع بالترنيم، فينتشر صوته الجميل في أرجاء البيت، ويتردّد صداه بين الجدران. كان يؤمن أن تكريم يوم الميلاد يعني أن نقف مرفوعي الهامة، ونرنّم بأعلى صوت، ونمضي بخطوات أسرع؛ فهذا اليوم لا يشبه في بهجته سائر الأيام. وفي غمرة شغفه بإيصالنا إلى الكنيسة، ثمّ إلى السيارات التي تحملنا في جولاتنا وزياراتنا الاجتماعية إلى منازل الأقارب والأصدقاء، كان والدي يجسّد روح التفاني التي ينبض بها قلب مجتمعنا الصغير: رجل ترتسم على شفتيه الصلاة، ويحمل على كتفيه ثقل التقاليد وعراقتها.

لكن ما إن تتلاشى آخر أصداء كلمة "آمين" في أنفاس الشتاء الباردة، حتى تبدأ تلك النشوة الروحية الصباحية بالتحوّل؛ إذ سرعان ما تنحسر الترانيم المقدّسة لتفسح المجال لضجيج الترتيبات العملية والالتزامات الاجتماعية المسائية. وهكذا، فإن بهجة الميلاد التي صدحت بوضوح في صوت والدي، سرعان ما تتخذ شكل أداء اجتماعي رتيب، ضمن جدول صارم من المجاملات والواجبات.

في يوم عيد الميلاد، تعبق أرجاء البيت برائحة الشواء المختلطة ببقايا بخور قدّاس منتصف الليل، وتضفي أضواء الشجرة وهجًا يوحي بأن كل شيء على ما يرام. ففي مجتمعنا المسيحي العربي، يُعدّ عيد الميلاد لوحة فنية في كرم الضيافة، بل مسرحًا كبيرًا ساطع الأضواء. غير أنّه، ومع رنين الجرس للمرة العاشرة، مُعلنًا قدوم موجة جديدة من الضيوف الذين ينبغي استقبالهم بذات الدفء المُتكلّف، ينسلّ سؤال خافت من خلف الترانيم: متى تحوّل عيد السلام إلى ماراثون للصبر والتحمّل؟ بالنسبة لكثير من المسيحيين العرب، غدت بهجة الميلاد عباءة ثقيلة، نُسجت خيوطها من الواجبات الاجتماعية، وسطوة الوجاهة، والسعي الحثيث وراء صورة مثالية أمام الناس.

نادرًا ما يكون عيد الميلاد وقتًا للسكينة الروحية؛ بل يغدو رحلة محمومة من الزيارات العائلية المتواصلة. ننتقل من بيت إلى آخر في دوّامة من التحيات الرسمية والمعايدات المكرّرة، ونُسقط الأسماء من قائمة الالتزامات الذهنية، حرصًا على ألّا تُجرح مشاعر قريب، أو يُخدش كبرياء مسنّ. فكل زيارة هي "واجب"—دَيْن اجتماعي لا بدّ من سداده للحفاظ على نسيجنا المجتمعي. نجد أنفسنا نحتسب الدقائق في سباق مع الزمن؛ فإذا أطلنا الجلوس أمام أطباق الشوكولاتة والضيافة في مجلس ما، خاطرنا بكسر خاطر المضيف التالي. وهكذا تضيع روحانية الميلاد في دهاليز التنقّلات؛ فنكتفي بالجلوس على أطراف الأرائك المخملية متأهّبين، نهزّ رؤوسنا لقصص حفظناها عن ظهر قلب، بينما تسبقنا عقولنا إلى وجهتنا التالية. لقد غدا التقارب الصادق ضحية نُقدّمها قربانًا على مذبح المظاهر الاجتماعية.

ثمّة أيضًا ذلك الإنهاك العميق الذي يخلّفه القناع الاجتماعي؛ فخلال الأعياد يتحوّل البيت المسيحي إلى مسرح للوجاهة. فبعد أسابيع من التحضير، نرزح تحت ضغط الحاجة الملحّة للظهور بمظهر النجاح، بغضّ النظر عمّا يدور فعليًا خلف الستائر المغلقة. أمّا بالنسبة للشباب، فتتحوّل الزيارة إلى مجلس تحقيق؛ فبين رشفة قهوة وأخرى، يواجه الشاب فرقة إعدام احتفالية من الأقارب، تمطره بوابل من الأسئلة: "متى سنراك عريسًا؟"، "لماذا ابن عمك أنجح منك؟"، "يجب أن نفرح بك السنة القادمة!" يبتسم الشاب ويكتفي بكلمة "إن شاء الله" المهذّبة، لكنه في داخله يشعر أن العيد ليس تجديدًا للروح، بقدر ما هو كشف حساب سنوي للأداء أمام الآخرين.

وخلف ضحكات العيد ورنين الكؤوس، تكمن قاعدة صلبة من الجهود غير المرئية. فلا بدّ لنا من تحية جنديات المطبخ—تلك الأمهات والجدّات اللواتي ينتقلن من خشوع العيد وزهده إلى لظى المواقد، ساهرات على أن تكون أطباق "الكبّة" و"الأرز المفلفل" واللحوم المشوية بـ"وجه أبيض" يليق بسمعة العائلة. ولا يفوتنا تقدير الآباء وهم يصارعون التكاليف الباهظة للهدايا والضيافة، في ظل اقتصاد لا يرحم ولا يقيم وزنًا للتقاليد. ففي مجتمعنا نعتبر الكرم مبعث فخرنا، لكننا نادرًا ما نتحدّث عن الثمن الباهظ الذي يدفعه المعيلون. لقد أرسينا معايير للاحتفال من البذخ والترف ما يجعل العائلة تُستنزف حتى الرمق الأخير، فتفقد القدرة على سماع الصوت الخافت الوديع للعيد الذي بذلوا كل هذا الجهد لإحيائه.

لعلّ الوقت قد حان لنسأل أنفسنا: لأجل مَن نُقيم هذه التقاليد ونتمسّك بها؟ فإذا كانت أجراس الكنيسة في عيد الميلاد تدعونا إلى السلام، بينما لا يجلب لنا رنين أجراس أبواب بيوتنا سوى القلق والتوتّر، أفلا نكون قد أضعنا البركة التي نزعم البحث عنها؟ إن جوهر إيماننا—بما يحمله من دفء، وتكاتف، وميلاد متواضع للرجاء—لا يتطلّب مائدة مثالية، ولا جدولًا مُضنيًا من الزيارات الإجبارية. يمكننا أن نُكرم كبارنا ونعتزّ بتراثنا دون أن نُضحّي بسكينتنا النفسية. فمن خلال وضع حدود بسيطة، وإعطاء الأولوية للحظات الصدق والهدوء على حساب المظاهر الاستعراضية، يمكننا أن نعيد الميلاد إلى أصله—ملاذًا للطمأنينة والسكينة—بدل أن يكون مصدرًا للإرهاق والضغوط.

×
أخبار
باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط