كانت فلسطين و ما زالت القضية المركزية بالنسبة للأمن القومي المصري و العربي التي كرست لها -و ما زلت- جل جهدي الأكاديمي منذ صدور كتابي الأول عن تجسيد الوهم الصهيوني علي أرض فلسطين، و قد شرفت بالمساهمة في التكوين الأكاديمي لنخبة من أبناء فلسطين الذين حصلوا علي درجاتهم الجامعية العليا من مصر؛ و ما زال تواصلي معهم مستمرا بعد أن أصبحوا أساتذة في الجامعات الفلسطينية؛ و عبر تلك السنوات الطوال أصبحت فلسطين بالنسبة لي قضية شخصية بالمعني الدقيق؛ فقد تشكلت حول قضية فلسطين علاقات شخصية ربطتني بالعديد من أصدقاء العمر: البعض منهم قدم حياته في سبيل فلسطين، و البعض قضي عمره شريدا في سبيلها، لذلك فإن القلب يدمي حين أرى المشهد القديم يتكرر بقسوة غير مسبوقة.
ظللنا سنوات طوال نشهد اعتداءات المحتل الإسرائيلي علي الفلسطينيين، و ألفنا طوال سنوات أن نتضامن معهم شعبيا فنكون سندا و تحفيزا لأي تحرك حكومي أو دولي لنصرتهم. لقد كان الهتاف باسم فلسطين يوحدنا مهما تباعدت أصولنا الفكرية. و ما يدمي قلبي حقا هو أنني أصبحت اليوم أجد صعوبة بالغة في إقناع أصدقاء أعرف وطنيتهم و تاريخهم المتعاطف مع القضية بالوقوف إلي جانب تلك الدماء التي تسيل في غزة.
لقد بدأ ذلك التحول مع تمايز المقاومة الإسلامية عن المقاومة الوطنية، و اتسع مع سيطرة حماس علي غزة، و ازداد اتساعا مع تضامن حماس مع الإخوان المسلمين في مصر و تجاوزهم في التعبير عن العداء للسلطة الجديدة في مصر؛ و شيئا فشيئا أصبح الفصل بين منظمة حماس و أهل غزة أمرا صعبا.
و لعله من المناسب لكي لا تجرفنا بعيدا انفعالات عشق فلسطين فتنسينا تفاصيل ما يجري و دلالاته؛ و لا تطوحنا انفعالات الضيق بممارسات حماس و الإخوان المسلمين فننجرف إلي رفض كل ما هو فلسطيني؛ أن نتفق أولا علي عدد من الحقائق الثابتة:
الحقيقة الأولي أن فلسطين كانت و سوف تظل جارتنا جغرافيا. تتغير الأنظمة السياسية و تتغير القيادات علي الجانبين؛ و لكن حقائق الجغرافيا تظل ثابتة لا مهرب منها.
الحقيقة الثانية أن إسرائيل تحتل أراض فلسطينية. قد نراها تحتل أرض فلسطين كلها؛ و قد نراها تحتل الضفة و القطاع، و لكن لا أحد يختلف علي حقيقة أن إسرائيل دولة محتلة؛ و بالتالي فإن واقعة الاحتلال هي السبب الحقيقي لكل ما جري و يجري.
الحقيقة الثالثة أن القانون الدولي يعطي للشعب الواقع تحت الاحتلال الحق في مقاومة ذلك الاحتلال بكافة الوسائل متحملا تكلفته؛ كما أن ذلك القانون يلزم قوي الاحتلال بضمان حياة من يقعون تحت احتلالها.
الحقيقة الرابعة أنه بصرف النظر عن تباين المواقف فإن منظمة التحرير الوطني الفلسطينية هي الكيان الفلسطيني الوحيد المعترف به دوليا، و الذي انبثقت منه \"السلطة الوطنية الفلسطينية\" وفقا لاتفاقيات أوسلو التي تعترف بوجود إسرائيل و تتفاوض معها لإنهاء احتلالها.
الحقيقة الخامسة أنه قد تم في الثاني من يونيو الماضي 2014 أداء حكومة فلسطينية جديدة للقسم أمام الرئيس أبو مازن، و علي الفور حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قادة العالم من الاعتراف بالحكومة الجديدة، بسبب مشاركة حماس فيها، في حين أعلن إسماعيل هنية رسميا انتهاء حكم حماس لغزة.
الحقيقة السابعة أن العالم العربي يشهد مواجهات شرسة مع تيار تتعدد أسماؤه و لكنها جميعا تحمل سمة إسلامية و تدعو إلي إقامة الدول علي أساس من تأويل محدد –و إن تباين- للشريعة الإسلامية؛ و مثل ذلك المخطط يجعل من إسرائيل \"اليهودية\" كيانا منسجما مع الدول المحيطة بها من حيث الأساس الفكري.
الحقيقة الثامنة أن مصر في ظل تزايد صعوبة موقفها الاقتصادي تخوض مواجهة شرسة مع إجرام إرهابي يعلن صراحة عن انتمائه لتيار الإسلام السياسي مما يترك بصماته حتما علي ترتيب مصر لأولوياتها العالمية و الداخلية و العربية بما في ذلك تعاملها مع الملف الفلسطيني.
الحقيقة التاسعة أن تكريس الانقسام الفلسطيني الذي سعت إليه إسرائيل منذ انسحابها من طرف واحد من غزة يعد من أهم المكاسب التي جنتها من عدوانها الوحشي الأخير؛ فمن خلال فصل غزة و حصارها أطلقت إسرائيل يدها في التهام المزيد من أراضى الضفة، بحيث يتلاشي حلم الدولة الفلسطينية.
الحقيقة العاشرة أن معبر رفح قد أصبح وجها من أوجه العلاقات المعقدة بين مصر و جماعة الإخوان المسلمين منذ انفراد جماعة حماس بالسلطة في غزة في 16 يوليو 2006.
في ضوء تلك الحقائق مجتمعة يبدو لي –وقد أكون مخطئا- أن القيادة المصرية آثرت تجاوز مأزق الحوار المباشر مع منظمة حماس باعتبارها فصيل إخواني باللجوء للتفاهم مع الرئيس محمود عباس لاعتبارين: أنه الرئيس الذي أقسمت أمامه حكومة الوحدة الفلسطينية منذ حوالي شهر، و التي اعترفت حماس بشرعيتها؛ و من ناحية أخري فإن التعامل مع الرئيس عباس يؤكد في مواجهة إسرائيل أنها حيال واقع فلسطيني تجاوز الانقسام.
و أخيرا فلعل التصدي العملي لموجة التهجم علي مصر التي تستغل قضية معبر رفح قد يكون بأن نعلن بوضوح أن معبر رفح مفتوح علي مدار الساعة وفقا لنفس معايير العبور من مطار القاهرة و التي تمنع دخول أعضاء الجماعات الإرهابية و أظن أن قوائم أسماء أعضاء حماس متوافرة بالفعل لدي السلطات المصرية.