أفضل خطة للدفاع هي الهجوم. إلى اليوم، وبعد مرور نحو أسبوع على الحرب السعودية على اليمن، لم تتمكن المملكة من تقديم سبب جوهري واحد لهذا العدوان. الأسباب التي ساقتها كانت من نوع «لو لم نفعل». وحتى هذه لم تكن مقنعة. فبعيداً عن المبدئية، وصلات العروبة والاسلام وحسن الجوار، يبقى هناك اللاتوازي الكبير بين اليمن، وبين التحالف الذي ركبته السعودية. حجم التحالف وعدد الدول المشاركة به من المغرب المطل على المحيط الأطلسي الى باكستان في المحيط الهندي، ينقل اليمن، البلد الأفقر في العالم والأضعف، الى مصاف الدول الكبرى، اذا ما أخذنا بالاعتبار مقياس التساوي بين الأضداد.
صنعاء وعدن نجمتان منطفئتان على جبين العرب والعالم. لنترك اليمن الى مصيره كعرب عاجزين، بعدما خذلنا من خذلناهم من القدس الى بغداد وطرابلس والشام وبيروت، ونبحث في ما يخيف السعودية لتستنفر العالم، ضد الجار الفقير.
لنبدأ بذريعة الحديقة الخلفية. تقول الرياض وتؤكد انها لا تستطيع التساهل مع وصول إيران عبر الحوثيين إلى حدودها الجنوبية. وتشدد على أنها لا تستطيع السماح لطهران أن تعطل ممرين بحريين هما الأهم في عالم النفط، مضيق هرمز على الخليج العربي، وباب المندب على مدخل البحر الأحمر.
وتُعبر المملكة عن ضيقها بالاتفاق النووي بين إيران والغرب، وتعتبر الرياض ان سيطرة ايران الفارسية على الخليج بعد العراق ولبنان وسوريا، خطر استراتيجي، ومواجهته أولوية قصوى، ومن بعد تتفرغ لإسرائيل كما يقول ائمة مساجدها. المملكة تستبق الخطر، علماً ان المضائق الدولية والحيوية في العالم، مسألة أكثر جدية، من ان تترك حمايتها لمشايخ ولو كانوا برتبة أمراء، ويستحيل ان يدافع عنها الطيران الحربي السوداني أو مغاوير المغرب ولو بتحالف عشري.
أما النفوذ الفارسي المتنامي، فالغرب وروسيا واسرائيل أجدى بالتصدي لمخاطره وتأثيرها في التوازنات الدولية. ولن يصدق احد ان ايران تخطط لحكم المنطقة عبر تشييع العالم السني، والمملكة تواجهها، فتحوّلان المنطقة الى ساحة حرب سنية – شيعية.
الاخطار المحدقة بالمملكة من المفترض أن تأتي من الاتجاه المعاكس. من اسرائيل شمالاً، ومن التطرف الوهابي من الداخل الذي أنتج أخطر تنظيمين ارهابيين في تاريخ الاسلام الجهادي: «القاعدة» و»داعش»، وباتا مصدر إحراج للبلاط.
السعودية تهرب الى الامام بنشوة القوة لنظام قلق. لا يمكن تفسير الغزوة اليمنية الا من منظار الضرورة لاستخدام القوة، وقدرة الرياض على الحشد، كي لا تهتز صورتها، بسبب أزمة الحكم المتمثلة بصراع أحفاد عبد العزيز المسيطرين على العسكر: متعب بن عبدالله في «الحرس» ومحمد بن نايف في «الداخلية» ومحمد بن سلمان في «الدفاع». من الصعب على الملك الجديد أن يصير بين بين ليلة وضحاها تشرشل العرب، وايزنهاور «شرم الشيخ»، وهو قبل أسابيع قليلة عجز عن استقبال الرئيس الاميركي.
اليمن نزوة سعودية أخيرة، وسيعيد خلط الاوراق في المملكة. ربما تفقد من بعده الرياض دورها كملجأ سياسي غير معلن لقادة راهنوا بما يملكون عليها، من نواز شريف إلى زين العابدين بن علي وسعد الحريري، وأخيراً عبد ربه منصور هادي.
عن السفير