تاريخ النشر: 2023-02-28 | 20:00
تاريخ النشر: 2023-02-28 | 20:00
واشنطن: نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أ يوم الإثنين تقريرا مفصلا عن حياة القائد الراحل أحمد قريع تحت عنوان: "وفاة أحمد قريع، رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق ومبعوث السلام".
الصحفية ايزابيل كيرشنر مراسلة نيويورك تايمز في القدس، المختصة في الشأن السياسي الإسرائيلي - والفلسطيني منذ عام 1990 قالت في تقريرها: توفي يوم الأربعاء في رام الله بالضفة الغربية عن عمر يناهز 86 عاماً أحمد قريع، رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق، والمفاوض الذي ساعد في وضع تصور ورعاية اتفاقية أوسلو (اتفاق إعلان المبادئ، والاتفاق الانتقالي المؤقت، الذي تم التوصل إليه بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في التسعينيات".
وقد تم تأكيد وفاته من قبل رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الرفيق القديم، وأحيانًا المنافس -الذي نعى السيد قريع بأنه "مقاتل صلب" كرس حياته للدفاع عن الشعب والقضية الفلسطينية. قال صلاح عليان، رئيس ديوان السيد قريع ويده اليمنى لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، أنه توفي في المستشفى الاستشاري في رام الله، نتيجة التهاب حاد، كما أنه كان يعاني من مشاكل في القلب.
كان السيد قريع عضوًا في الحرس القديم الفلسطيني الذي تضاءل عددهم، وهم نشطاء انضموا إلى ياسر عرفات وحركة فتح العلمانية التي أسسها في المنفى عام 1959، والذين سعوا جاهدين لوضع القضية الفلسطينية على جدول الأعمال العالمي، سواء من خلال الدبلوماسية أو الكفاح المسلح.
في أواخر عام 1992 ، أثناء اشرافه على لجان العمل الفلسطينية للمفاوضات المتعددة الأطراف التي انبثقت عن مؤتمر مدريد وخلال زيارة عمل إلى لندن ، التقى السيد قريع مع الأكاديمي الإسرائيلي يائير هيرشفيلد ، الذي طلب مقابلته سرا في ذلك الوقت، إذ كان يحظر على الإسرائيليين الالتقاء بممثلين عن منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا الاجتماع أدى إلى محادثات سرية في النرويج بموافقة المسؤولين الإسرائيليين ، حيث ترأس السيد قريع الوفد الفلسطيني لهذه المفاوضات إلى جانب كل من حسن عصفور والدكتور محمد أبو كوش ومن الجانب الإسرائيلي أوري سافير ورون بونداك ويائير هرشفيلد.
نتج عن هذه المفاوضات اتفاق إعلان المبادئ أو ما يعرف اتفاقية أوسلو، وهي الاتفاقيات التاريخية التي نتج عنها لاحقا اعترافًا متبادلًا بين حكومة إسرائيل، التي قادها إسحاق رابين، ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. وأنشئت بموجب الاتفاقية السلطة الفلسطينية، وهي هيئة مؤقتة تشكلت لممارسة حكم ذاتي فلسطيني محدود في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، ومهدت الطريق أمام القيادة الفلسطينية للعودة إلى الأراضي المحتلة من المنفى.
كان من المفترض أن تؤدي الاتفاقية المؤقتة إلى الوصول إلى صفقة شاملة ودائمة بحلول عام 1999، ورغم أن اتفاقيات أوسلو لم تنص على تلك الصفقة، فقد تصور الفلسطينيون قيام دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها القدس الشرقية.
عاد السيد قريع إلى قرية أبو ديس الواقعة على الطرف الشرقي من القدس حيث ولد، وشرع في المساعدة في بناء مؤسسات الدولة المفترضة، لكن سرعان ما تبدد التفاؤل بعد أوسلو، وباتت إقامة دولة فلسطينية الآن بعيدة أكثر من أي وقت مضى، فلم تجر مفاوضات سلام رسمية مع إسرائيل منذ عام 2014، والفلسطينيون منقسمون بين السلطة الفلسطينية، التي تدير اسميا أجزاء من الضفة الغربية، وحماس، الجماعة الإسلامية المسلحة التي تسيطر على غزة. وقد تآكل الدعم للسلطة الفلسطينية، حيث اتهمها العديد من الفلسطينيين بالفساد وخدمة مصالح إسرائيل فقط، ولدى إسرائيل الآن حكومة يمينية لا تميل إلى التفاوض.
ويذكر محاورو السيد قريع الإسرائيليون والأمريكيون على أنه مفاوض جدير بالثقة ومبدع وحاذق في كثير من الأحيان. وكتبت تسيبي ليفني، الوزيرة الإسرائيلية السابقة ومفاوضة السلام، في تغريده لها على توتير بعد وفاة السيد قريع: "لقد حاولنا معًا تحقيق السلام لشعوبنا على أساس أن من مسؤوليتنا صنع مستقبل أفضل لأطفالنا".
قال السيد صلاح عليان، رئيس ديوان السيد قريع، أن الإسرائيليين "كانوا يعرفون أنه صعب المراس لكنهم احترموه وقدروه عالياً لأنه صاحب قرار وتستطيع التوصل إلى اتفاق معه"، مضيفًا أن السيد قريع كان قادرًا على إقناع السيد عرفات بما يراه مناسبا لشعبه وقضيته.
دينيس روس، مبعوث الشرق الأوسط وكبير مفاوضي السلام في إدارات الرؤساء جورج بوش وبيل كلينتون أشار إلى السيد قريع بأنه "شخص كان منخرطًا وغالبًا ما يكون لامعًا كمفاوض".
كتب السيد روس في رسالة بالبريد الإلكتروني: "كان يعرف كيف يعترف بالمخاوف الإسرائيلية بشأن الأمن لكسب قبول الاحتياجات الفلسطينية".
ولكن في مرحلة حرجة في عملية السلام، انسحب السيد قريع. في صيف عام 2000، استضاف الرئيس كلينتون السيد عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك وفرق التفاوض الخاصة بهم في كامب ديفيد في محاولة طموحة للتوصل إلى اتفاق نهائي.
غضب السيد كلينتون عندما رفض السيد قريع، كبير المفاوضين الفلسطينيين في ذلك الوقت، تقديم خريطة توضح التنازلات الإقليمية التي يمكن أن يقبلها الفلسطينيون. وقال شهود إن السيد كلينتون صرخ عليه واتهموه بالتفاوض بسوء نية.
تسبب غضب الرئيس في ذهول السيد قريع، كما ذكر مارتن إنديك، سفير الولايات المتحدة في إسرائيل والعضو الرئيسي في الفريق الأمريكي، في مذكراته.
كتب السيد إنديك: "لقد تعرض للإهانة الشديدة"، مضيفًا: "لقد انسحب من المفاوضات وانزوى في غرفته." وقد فسر قريع في كتابه "مفاوضات كامب ديفيد" بأنه لم يقبل سلوك الرئيس الأمريكي أمام الوفد الإسرائيلي لأن كلنتون لم يكن على طاولة المفاوضات كرئيس للولايات المتحدة وإنما كوسيط يفترض أن يكون حيادياً وليس منحازا لطرف على حساب الآخر. وقد فشلت هذه المفاوضات وبعد أسابيع قليلة، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
ولد أحمد قريع في أبو ديس في 12 أكتوبر 1936، لأبوين علي وداودية قريع. كان والده يعمل في مجال الفلاحة وتربية الأغنام. اعتاد أحمد السير مشيا على الأقدام من قريته إلى المدرسة وسط القدس الشرقية. انتقل إلى المملكة العربية السعودية في العشرينات من عمره للعمل في البنك العربي وبقي لعدة سنوات.
تزوج من هيام السمان عام 1961. وبقيت على قيد الحياة معه وكذلك أطفالهما الخمسة -علاء وعامر ومنال وعصام ومنى -و17 حفيدًا.
في عام 1968، انضم السيد قريع إلى حركة فتح وانتقل إلى بيروت، لبنان، حيث أسس مؤسسة صامد (معامل أبناء شهداء فلسطين)، الذراع الاقتصادي لحركة فتح والتي أعالت عائلات الشهداء الفلسطينيين وأقامت ورش تصنيع لتوظيف اللاجئين الفلسطينيين، وافتتحت مشاريع اقتصادية ومزارع في افريقيا ودول أوروبا الشرقية.
بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، انتقل السيد قريع مع باقي القيادة الفلسطينية إلى تونس. هناك شغل منصب مدير عام دائرة الشؤون الاقتصادية والتخطيط في منظمة التحرير الفلسطينية.
بعد عودته إلى أبو ديس في الضفة الغربية خارج حدود مدينة القدس مباشرة، تم تعيينه وزيرا للاقتصاد والتجارة والصناعة في الحكومة الفلسطينية الأولى. وأصبح نائباً عن القدس في المجلس التشريعي الفلسطيني بعد الانتخابات البرلمانية في عام 1996، وشغل منصب رئيس المجلس حتى عام 2003، عندما أصبح رئيسًا للوزراء، خلفًا للسيد عباس، الذي استقال بسبب الخلافات مع السيد عرفات، وبقي رئيسا للوزراء إلى عام 2006 عندما فازت حماس بالانتخابات ذلك العام وشكلت حكومتها، مما أدى إلى قلب هيمنة فتح على السياسة الفلسطينية لعقود. بحلول ذلك الوقت، كان عرفات قد مات وخلفه السيد عباس كرئيس للسلطة الفلسطينية.
وكان السيد قريع قد حذر السيد عباس من إجراء الانتخابات، خوفا على ما يبدو من خسارة حماس. وبعد عام، سيطرت حماس على غزة بالكامل. ولم يجر الفلسطينيون انتخابات برلمانية منذ ذلك الحين.
في سنواته الأخيرة، كان السيد قريع ومعه الفلسطينيون محبطاً وخائب الأمل نتيجة أحلامهم التي تحطمت أمام التعنت الإسرائيلي.
لا يزال مبنى البرلمان الفلسطيني غير المكتمل في أبو ديس، والذي بدأ البناء فيه في التسعينيات، مهجورًا، والذي منحه لجامعة القدس. تم فصل أبو ديس الآن عن القدس بجدار خرساني مرتفع، وهو جزء من الحاجز الأمني الذي أقامته إسرائيل في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لمنع الانتحاريين الفلسطينيين من الوصول إلى المدن الإسرائيلية، وهو الآن شهادة رمادية على الفشل.
وأشار دينيس روس إلى أنه أخبر السيد قريع في عام 2000 أن المعايير التي حددها السيد كلينتون لاتفاق سلام شامل بين الإسرائيليين والفلسطينيين لن تأخذ بها إدارة بوش القادمة، وأن الفلسطينيين سيدفعون ثمناً أطول أمداً إذا رفض السيد عرفات معايير كلنتون.
وروى السيد روس أن السيد قريع هز رأسه بحزن، وقال: "إذن أخشى أن يستغرق الأمر 50 عامًا أخرى".