قطاع الشباب في فلسطين ، يعتبر قطاعاً وازناً على المستوى السكاني ، حيث يبلغ حوالي 30% من مجموع السكان ، أي تلك المجموعة السكانية التي تقع ما بين 18- عام 29 عام حسب جهاز الاحصاء المركزي .
هذا بالوقت الذي تتعدد به مسألة تعريف الشباب ، حيث تعتبر الامم المتحدة انها تلك الفئة العمرية التي تقع ما بين 18عام – 24 عام .
وبغض النظر عن تلك التعريفات إلا أن المجتمع الفلسطيني مجتمع فتى وناشئ .
ينتشر هذا القطاع ويتوزع إلى فئات وشرائح اجتماعية مختلفة مثل الطلاب ، المهندسين ، الأطباء، المحاسبين ، العمال ... إلخ .
يتميز قطاع الشباب بسمات محددة ابرزها الحماس ، المثابرة ، الطموح ، الامل ،الثقة بغد افضل ، الابداع، النشاط ، العمل ، الرغبة بالتغيير.
ليس صدفة اننا نجد أن حركات التغيير السياسية والاجتماعية يعتبر قوامها المركزي من الشباب وكذلك عمودها الفقري ووقودها العملي في ذات الوقت .
فإذا نظرنا إلى حركات التحرر الوطني بالعالم وكذلك الحركات النقابية والاجتماعية والطلبية و"أبرزها ثورة الطلاب في فرنسا عام 68 " فإننا نجد ان بنياتها وتركيبتها وقيادتها تتكون من الشباب، الامر الذي يعكس العلاقة الجدلية التلازمية ما بين الشباب والتغيير، من اجل البحث عن الافضل الهادف لتحقيق قيم الحرية والكرامة عبر فتح آفاق جديدة لغد مشرق وواعد.
وإذا نظرنا إلى الحالة الفلسطينية فإننا نجد ان نواة حركات التغيير السياسي أو الاجتماعي والحقوقي يكمن بدور الشباب الذي انتفض من اجل التغيير والمستقبل الافضل .
فالثورة الفلسطينية المعاصرة بنيت على اكتاف الطلاب والشباب ، والذين قرروا تغيير المسار عبر الاعتماد على الذات وتدشين مرتكزات العمل الوطني والمقاوم عبر فصائل المقاومة المختلفة.
كما ان الانتفاضة الشعبية الكبرى 87 – 93 لعب بها الشباب دوراً ريادياً وتوجيهياً ، حيث كان قوام القيادة الوطنية الموحدة " قاوم " وهي تجمع فصائل العمل الوطني المنضوية في اطار م.ت.ف من الشباب ، وقد اعتقل وابعد العديد منهم واستمروا بعد ذلك في مواقع الكفاح المختلفة في سياق مسار النضال الوطني في مواجهة الاحتلال ومن أجل الحرية والاستقلال والعودة .
كما ان قاعدة التصادم المباشرة ضد الاحتلال اثناء الانتفاضة الكبرى كانوا من الشباب الأمر الذي لا يبدو غريباً قيام الاحتلال باعتقال عشرات الآلاف منهم ووصل ذروة الانتفاضة عدد المعتقلين في سجن النقب الصحراوي حوالي 100ألف مواطن معظمهم من الشباب وبالوقت الذي ينطبق ذلك على فصائل م.ت.ف فهو ينطبق ايضاً على حركتي حماس والجهاد الذين لعب الشباب بهما دوراً بارزاً بالنضال المقاوم في مواجهة الاحتلال اثناء وبعد الانتفاضة الكبرى .
السلطة والشباب :-
لم تساهم السلطة بتمكين وتقوية الشباب ، بل على العكس من ذلك فقد أدت سياسات السلطة إلى استيعاب العديد من الريادين منهم في اطار التوظيف داخل التركيبة البيروقراطية الادارية والأمنية للسلطة وبالوقت الذي كان الشباب في سياق الحركة الطلابية يلعبوا دوراً وطنياً وتغييرياً عن المستوى الاجتماعي لصالح الحقوق النقابية والمطلبية للطلاب وفي اطار العمل التطوعي والاجتماعي قبل السلطة فقد أصبح الشاب المنتمي للحركة السياسية التي أصبحت بالسلطة لديه نفوذ سياسي واداري داخل الحركة الطلابية الأمر الذي أصبح من مصلحته الدفاع عن السلطة وليس خوضه نضالاً اجتماعياً وحقوقياً لصالح الطلبة مثل " تخفيض الرسوم " أو تحقيق بعض المكتسبات لصالح الفقراء والمهمشين والمحتاجين من الطلاب ، كما تقلص دوره الوطني في مواجهة الاحتلال ، حيث ساد الاعتقاد بأن السلطة هي التي ستقوم بهذه المهمات نيابة عن الحركة الطلابية وعن باقي الحركات الاجتماعية من نقابات واطر عمالية ونقابية ونسوية ، والتي كان لها الدور الكبير في التأسيس للانتفاضة الشعبية الكبرى، وبخلق أوعية التعبئة الشعبية في مواجهة الاحتلال .
لقد تم استيعاب الحركات الاجتماعية من نقابات ومجالس طلبة واطر شبابية وعمالية ونقابية ونسوية في تركيبة السلطة خاصة فيما يتعلق بالقوة الرئيسية المسيطر عليها وكذلك تم استيعاب الحركات التي تنتمي لقوى اليسار والتي اندمجت ايضاً هي واعضائها وكوادرها في بنية السلطة ، الأمر الذي افرغ الحركة الاجتماعية من دورها التعبوي والتغيري لأنها فقدت استقلاليتها واصبحت مرتهنة باستحقاقات الراتب السلطوي .
لم تستطع قوى اليسار المشاركة بالسلطة من الاعتراض على سياستها لأنها لا تستطيع الخروج عنها وذلك بتفاوت نسبي في اطار سقف السلطة بين حزب وآخر، حيث ان بعض الاحزاب اليسارية لم يشارك في عضوية الوزارات " الحكومة " بالوقت الذي شارك أعضاؤها في المستويات الوظيفية الأدنى " وكيل وزارة وما دون " كما شارك بعض الاحزاب بالحكومات ذاتها وبالمستويات الإدارية الاخرى ايضاً .
وبالوقت الذى جرى استيعاب الحركات الطلابية والشبابية والاجتماعية المختلفة ، لم تقم حركة حماس بدور يرمي إلى تصويب سياسات السلطة ، وبقيت تعيش في ظروف صعبة، ريثما نضج الظرف لاقتناص اللحظة المناسبة لاعادة البناء والانتشار والاستعداد لتسلم السلطة الذي مهد له النجاح الهائل الذي حققته الحركة بالانتخابات النيابية العامة عام 2006 .
أحدثت السلطة تغيراً بالوعي باتجاه تعزيز النزعات الاستهلاكية والزبائنية وعمليات الكسب السريع في ظل سلطة لم تعط نموذجاً جيداً بالشفافية والمصداقية والحكم الديمقراطي الرشيد وأصبحت اساليب الفهلوة والعلاقات الفردية والمصلحية هي الطاغية بدلاً من قيم الانتماء والعمل وروح المثابرة التي آمن بها الشباب بالسابق وأدت إلى احداث عمليات هامة في سياق النضال الوطني الفلسطيني أبرزها في الثورة الفلسطينية المعاصرة وأبان الانتفاضة الشعبية الكبرى .
الانقسام والشباب :-
عزز الانقسام حالات الإحباط وأصبح الشباب الذي من المفترض ان يكونوا أداة التغير وقوداً للصراع والاقتتال الداخلي ويدفعون ثمنه ، في ظل ثقافة الكراهية وغياب التسامح وتقبل الآخر واحتكار الحقيقة وفي ظل سلطتين واحدة في غزة والثانية بالضفة لم تعطيا نموذجاً مشرقاً بالشفاية والمصداقية فقد ضاع الشباب بالضفة في اطار النزعة الاستهلاكية والسياسة المفروضة المستندة لفلسفة الليبرالية الجديد ، وضاع الشباب في غزة في ظل سياسة تستند على الإدارة المركزية للاقتصاد الذي يدار هو وهيئات الحكومة من حزب سياسي وحيد، في ظل تراجع سقف الحريات العامة والشخصية .
كل ذلك في ظل المشترك بين اداء الحكومتين في غزة والضفة المستند لغياب العدالة في التوزيع واعتماد الزبائنية والفئوية والعلاقات الفردية اساساً لهذه السياسة الأمر الذي قوض وبصورة كبيرة مفهوم المواطنة التي تفترض السير على قاعدة المساواة وعدم التمييز الامر الذي يكفله القانون الاساسي والذي يؤكد ان الجميع امام القانون سواء بغض النظر عن الدين والجنس واللغة والعرق والاصل الاجتماعي .
الحصار والعدوان والشباب :-
في ظل الحصار وقيام دولة الاحتلال بشن ثلاثة عمليات عسكرية من العدوان على قطاع غزة في أعوام 2008 -2009 ، 2012 ، 2014 .
تم تدمير البنية التحتية والقاعدة المؤسساتية والمرافق الانتاجية سواءً الصناعية أو الزراعية او السياحية او تلك الخاصة بالمنشآت والمباني .
وفي ظل استمرارية الانقسام الفئوي ، اصبحت نسب البطالة بين صفوف الشباب تصل إلى درجات غير مسبوقة وهي تصل الآن إلى 57 % من نسبة البطالة العامة حيث يتخرج سنوياً من الجامعات الستة الموجودة في قطاع غزة حوالي 18 الف خريج ، يضاف معظمهم إلى جيش العاطلين عن العمل .
رغم تعدد المؤتمرات وأوراق العمل والتوصيات التي تطالب بالاهتمام بالشباب وتوفير فرص عمل لائقة لهم إلا أن ارتهان السلطة لسياسات المانحين وتبعيتها لهم وعدم اخذها بعين الاعتبار الفلسفة التنموية التي تستند إلى الاهتمام بالانسان بوصفه محور التنمية وغايتها ومستقبلها في ذات الوقت ، قد أدى إلى تكريس الاهمال و التهميش لهذا القطاع الحيوي والهام بالمجتمع .
إن واحدة من اهداف عمليات القصف الجوي والدمار الشامل الذي الحقه الاحتلال بالقطاع في العدوان الاخير الذي استمر 51 يوماً مارست به اسرائيل جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية كان يكمن في كي الوعي وفصل العلاقة ما بين المواطن والارض والانتاج وتحويل مجتمع قطاع غزة إلى سوق استهلاكية للمنتجات الاسرائيلية ولمجتمع اغاثي يتلقى سلة الغذاء من وكالات الاغاثة الدولية.
وعليه أليس جديراً بصناع القرار السياسي أخذ تلك الاهداف بعين الاعتبار والعمل على احتضان الشباب والاهتمام بهم وبلورة السياسات الرامية إلى تعزيز بقائهم وصمودهم بالأرض .
إن غياب الأمل الناتج عن ممارسات الاحتلال واستمرار حالة الاستنزاف الداخلي عبر سياسة الانقسام قد دفع أوساط واسعة من الشباب للتفكير بالهجرة ومغادرة الوطن بحثاً عن خيارات اخرى ومن اجل الخروج من الحالة الراهنة .
لقد استغلت العصابات العابرة للحدود حالة اليأس والقنوط وفقدان الأمل لدى فئات الشباب وقامت بعمليات استغلال بشعة راح ضحيتها العديد منهم عندما غرقوا في عرض البحر .
لا يكفي تشخيص المسألة أو إجراء معالجات ذات طابع إدراي أو أمني ، كأن يعلن عن القاء القبض على عصابات التهريب العاملة بالقطاع رغم أهمية ذلك ولكن يجب البحث عن الجذر الذي يكمن بالاجابة على السؤال كيف يمكن بث الثقة والامل لدى الشباب من جديد، وتخطى حالة الاحباط الراهنة .
إن ذلك يكمن من خلال احتضان الحركة الوطنية لديهم وتطوير سياسات السلطة على قاعدة تعزيز أسس العدالة والكرامة والحق المتساوي للوصول إلى الفرص والموارد في ظل الابتعاد عن سياسة التمييز الفئوية الضارة .
من الضروري الاشارة في هذا المقام إلى مسؤولية المجتمع الدولي عن هذه المأساة ، من خلال تواطؤه وتشريعه للعدوان والحصار، الأمر الذي خلق تداعيات وأزمات انسانية واقتصادية ومعيشية كبير لدى المواطنين بفآتهم الاجتماعية المختلفة وفي المقدمة منهم الشباب .
إذا اراد المجتمع الدولي تطبيق المفاهيم التي يروجها والقائمة على الحرية والديمقراطية وحق الشعوب في تقرير المصير، فإن المدخل الوحيد لتحقيق ذلك يكمن بإنهاء الاحتلال والحصار الأمر الذي سيدفع الشباب للعيش في الوطن الفلسطيني تحقيقاً لطموحاتهم ولكرامتهم الوطنية والانسانية .