تاريخ النشر: 2019-04-14 | 21:28
تاريخ النشر: 2019-04-14 | 21:28
أمد/ غزة- أحلام عفانة: "إما عيشة كريمة أو موت" هكذا أصبحت قناعات أهالي قطاع غزة وأبناءهم، حيث أنهم فقدوا الأمل في المستقبل فليس لديهم ما يخسرونه في أرض لم يبقَ لهم فيها إلا الحروب والانقسام والاضطهاد.
وأبدى الشباب استياءهم من الحياة التي يعيشونها في قطاع غزة وذلك لتردى الوضع الاقتصادي بشكل كبير، وفقدان فرص العمل، حيث قال الشاب "م.و" لـ "أمد للإعلام": إنّه منذ سنوات عدة يبحث عن أي وسيلة للهجرة من غزّة إلى أي دولة في العالم، وذلك عقب تخرجه من كلية التجارة قسم المحاسبة بجامعة الأزهر قبل حوالي خمسة أعوام دون الحصول على أي فرصة عمل، موضحاً أنّ ضيق الحال وتردي الوضع الاقتصادي في غزّة كان الدافع الرئيسي لهذه الفكرة التي لم تكتمل بسبب عدم مقدرته على توفير تكاليف السفر.
وتساءل: "ماذا يُنتظر مني وأنا في مقتبل عمري ولا أملك شيكلاً واحداً في جيبي، وقد أمضيت سنوات من عمري في الدارسة لألتحق بركب البطالة؟"، مضيفاً: "كنت في السنوات السابقة من أشد المعارضين لفكرة الهجرة، وذلك بسبب واقع الاحتلال الإسرائيلي لوطننا وإيماناً مني بضرورة التواجد في أرض الوطن رغم كل المعيقات، لكّني الآن أبحث عن أي طريقة أتمكن عبرها من مغادرة غزّة، ولا أطالب المسؤولين بتحسين الأوضاع أو أي شيء من هذا القبيل، فقط ما أريده هو الهجرة".
شهادات حية
الشاب "خ. ك" غادر قطاع غزّة إلى مصر في رحلة لم يعرف أي تفاصيلها باستثناء أنّه متوجه إلى دولة بلجيكا، حيث أوضح لـ"أمد للإعلام"، أنه في منتصف العام الماضي 2018 قرر الهجرة برفقة صديقه حيث توجه إلى تركيا ومن ثم إلى اليونان وصولاً إلى بلجيكا، وذلك بالاتفاق على أن يكون السفر من تركيا عبر وسائل آمنة ودون اللجوء لعبور البحر، إلا أنّه بعد وصولهم أبلغهم متعهد الهجرة بأنّ الانتقال من تركيا سيكون عبر البحر.
وأضاف: "حينها رفضت أن أستخدم البحر لمغادرة تركيا في موقف مخالف لصديقي الذي قبِل بالسفر البحري، لكن أمرهم كُشف وجرى ترحيلهم إلا تركيا مجدداً، أما أنا فلم أتمكن من توفير أي فرصة للعمل، وأصبحت غير قادر على توفير قوت يومي أو حتى تذكرة العودة إلى غزّة، حتى تمكن والدي من إرسال مبلغ مالي لتأمين عودتي وبذلك خسرت أموالاً كثيرة على السفر دون تحقيق أي نتيجة، وها أنا أعمل على سيارة بالأجرة في غزّة رغم أنني خريج من كلية العلوم بجامعة الأزهر".
أما الثلاثيني "غ.م" فقد روى تجربته المريرة مع الهجرة والذي تمكن أحد الأشخاص من الاحتيال عليه أثناء تواجده في مصر، وقال: "غادرت غزّة إلى مصر أملاً في إمكانية العيش الكريم بأي دولة سواء عربية أو أوروبية، ولدى لقائي أحد الأشخاص العرب أبلغني أنّه سيؤمن سفري من القاهرة إلى بلجيكا بعبور عدة محطات لكن مجملها سيكون آمناً مقابل مبلغ مالي قدرة 10 آلاف دولار، ورغم أنّ هذا المبلغ لم يكن بحوزتي إلا أنّني قررت بيع شقتي لتأمين المبلغ والانتقال إلى بلجيكا، ومن ثم إرسال دعوات لزوجتي وأبنائي".
وأردف: "بالفعل طلبت من شقيقي بيع شقتي ورغم محاولاته المتكررة لمنعي، إلا أني صممت على رأيي ببيع الشقة والسفر إلى بلجيكا لأتمكن بعد ذلك بفترة وجيزة من سحب عائلتي، وما حدث أنّه بمجرد تسلّم الرجل المبلغ لم أتمكن من الوصول إليه بالمطلق، وحاولت الاتصال به كثيراً إلا أنّ كافة المحاولات باءت بالفشل، حينها أدركت أنني تعرضت لعملية احتيال، واليوم انتهى بي الحال في منزل بالإيجار وأحاول توفير أي فرصة عمل من خلال المبلغ المتبقي من ثمن الشقة".
على عكس الشاب "أ.خ" الذي استطاع الهجرة إلى تركيا في سبيل البحث عن عمل والاستقرار فيها، وإذ بالحظ يحالفه فيما حلم وقام بتنفيذه بعيداً عن "غزة" تلك البقعة التي تضغط على نفسيته بشكل مستمر وحرمته من أدنى حقوقه ألا وهو العيش الكريم.
وأوضح لـ "أمد للإعلام": "بعدما حصلت على شهادتي الجامعية بتخصص الإعلام، عملت في مجال التصوير الذي لطالما رغبت به، ولكنني لم أجد مكاناً يحتوي موهبتي في ذلك أو يعطيني أجراً كي أسد احتياجاتي الأساسية، ما دفعني إلى التفكير بالهجرة والحصول على فرصتي في الحياة، إلى أن حظيت بها وحققت أحلامي في مكان مليء بالراحة النفسية والتقدير والاهتمام".
معاناة نفسية
من جهتها، أوضحت الأخصائية النفسية ليلى الأخشم، أن الحصار الاقتصادي والسياسي في قطاع غزة بدأت آثاره منذ أحداث الانقسام، الذي بدوره انعكس سلباً على حياة المواطنين، ما أدى إلى خلق معاناة نفسية طويلة الأمد، خاصة لدى "فئة الشباب" الذين هم جيل المستقبل.
وأضافت لـ "أمد للإعلام": "للأسف اليوم أصبح الشباب يواجهون أوضاعاً لا يقوون عليها، حيث لا يوجد عمل يلبي احتياجاتهم، ولا تعليم قادرين على دفع رسوم جامعاتهم، فأصبح الشباب عبء وحمل ثقيل على عائلاتهم ما يشعرهم بالخوف ونقص الأمان والاستقرار ظناً منهم أن أوروبا تلبي احتياجاتهم، ليقوم بالبحث عن طرق للهجرة لينعم بسبل العيش الكريم له ولأسرته".
وأردفت: "لتبدأ معاناة ومخاطر الهجرة وأحداث تكون نهايتها صعبة لبعض الشباب، الذين ينتهي حلمهم بسبب مشاكل الهجرة الغير شرعية والقوانين الصارمة التي فرضتها الدول الأوروبية على المهاجرين غير الشرعيين، فينتهي بهم الأمر إما بالموت غرقاً أو الترحيل لمن لم يحالفه الحظ، في حين يصل البعض الأخر لهدفه بعد معاناة طويلة تسبب ألماً نفسياً".
ولفتت إلى أن البعض الآخر من الشباب لا يقوى على تحمل مصاريف السفر، ليبقى يعيش حلم الهجرة، مضيفة: "للأسف من يبحث اليوم عن الهجرة للشباب هم الوالدين، ظناً منهم بمجرد وصول أبنائهم لأوروبا أنه سيتحسن وضعهم المادي وسحبهم للخارج بطريقة شرعية، دون التفكير بمخاطر تلك الرحلة ومعاناتهم والتي فعلياً تبدأ من معبر رفح، وذلك بدفع مبلغ وقدرة للتنسيق إلى تركيا ودول أخرى مشابهة تعتبر المنفذ لباقي دول أوروبا".
وقالت: إنه منذ بداية الانقسام وظهرت المشاكل تدريجياً إلى أن تفاقمت اليوم بشكل كبير، فالشباب الذين هاجروا في البداية خوفاً وحرصاً على أنفسهم نجحوا نظراً لأن الدول الأوروبية كانت تستقبل الشباب لحاجتها للأيدي العاملة، لكن الوضع الآن يختلف عن السابق فالذين هاجروا مؤخراً يشعرون بالاستياء وذلك لمواجهتهم مشاكل عديدة لعدم شرعية طريقة الهجرة، التي قد تودي في بعض الأحيان بحياتهم.
وتابعت: "كل ذلك أثر بشكل كبير على نفسية الشباب، حيث أنهم مستاءين من الوضع في الداخل والخارج، ولكن لا نستطيع أن نمنع الشباب الذين تتراوح أعمارهم من (20 عاماً) وحتى (30 عاماً) من الهجرة، وذلك لعدم وجود ملامح واضحة لمستقبلهم".
معايير اجتماعية خاصة
بدوره، أوضح الخبير في علم الاجتماع د. ناصر مهدي، أن قطاع غزة يعاني كثافة سكانية عالية، كما ستزداد الأزمة خلال العشر سنوات القادمة في ظل عدم وجود خطة تنموية تستهدف أهم شريحة من شرائح المجتمع وهي "فئة الشباب".
وأشار مهدي إلى أن عدم قدرة المجتمع أو الدولة تسهيل وسائل ومعايير خاصة بتحقيق أهداف هؤلاء الشباب، سوف ينعكس عليهم بالسلب وعلى كافة سلوكياتهم سواء السوية أو الانحرافية.
وأضاف لـ "أمد للإعلام": "وبالتالي مشكلة قطاع غزة تزداد سوءاً عاماً بعد عام في ظل عدم توفير هذه الوسائل، وارتفاع الكثافة السكانية، فمن المتوقع أن يرتفع عدد سكان القطاع في ظل عدم وجود موارد اقتصادية مهمة لتشغيل هؤلاء الشباب، مما سيتفاقم أثر المشكلة خلال العشر سنوات القادمة، وعندها لا يمكن الوصول لأي حل".
لذلك رأى أن تصدير العمالة ليس بالأمر السلبي في ظل هذه الأوضاع العصيبة، فخروج الشباب لتحقيق أهدافهم غير مرفوض، لكن المطلوب بشكل رئيسي توفير وسائل لهذه العمالة للسفر إلى خارج بطريقة أفضل من الطريقة المرتبطة باستنزاف كل ما لديهم أو بطرق غير شرعية.
وأردف: "من الممكن أن تقوم السلطة أو الجهات المعنية الأخرى بتصدير هذه العمالة إلى دول تحتاج لها، إلى جانب تدريبها وتجهيزها للقدرة على العمل في نطاق خارج غزة".
رأي الإقتصاد
من جانبه، أكد الخبير في الشأن الاقتصادي حامد جاد، على أن الدوافع الأساسية التي تقف وراء هجرة الشباب والتفكير بها خارج قطاع غزة تكمن في عدم توفر فرص عمل لهم، إلى جانب سوء الوضع الاقتصادي في البلد، بمعنى أنه ليس هناك فرص تشغيل لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الخريجين داخل القطاع وبالتالي يجدون ملاذهم في الهجرة إلى الخارج.
وأوضح لـ "أمد للإعلام"، أن عدم استقرار الأوضاع في قطاع غزة والتهديدات المستمرة سواء بالحروب أو الاجتياحات أو الاعتداءات، يشكل أحد العوامل التي تدفع الشباب إلى الهجرة.
وتابع: "هناك أسباب أخرى لها علاقة بشريحة أخرى من أصحاب الشهادات والكفاءات العلمية، الذين يجدون فرص لهم في العمل خارج قطاع غزة في دول أوروبية على وجه الخصوص مثل: أميركا، وكندا وما إلى ذلك، أفضل مما هو متاح لدى البعض منهم من فرص عمل".
ولفت إلى أن هناك شريحة أخرى أيضاً اضطرت إلى الهجرة للخارج، وهي شريحة من القطاع الخاص كالتجار وأصحاب الشركات الذين تعطلت أعمالهم وتضررت مصالحهم التجارية والاقتصادية؛ بسبب الحصار المفروض على القطاع، وعدم تمكنهم من استئناف نشاطهم الإنتاجي والتسويقي وفق ما كان عليه الأمر قبل حزيران عام 2007 أي ما قبل الانقسام الفلسطيني.
وطالب جاد بحلول جذرية للمشكلة التي يعاني منها شباب قطاع غزة والتي تسببت بارتفاع معدل البطالة إلى 52%، وازدياد نسبتها في صفوف الشباب الخريجين حيث وصلت إلى نحو 70%.
وبيّن أن الحل الأساسي لهذه المشكلة هو رفع الحصار الإسرائيلي وإنهاء الانقسام الفلسطيني، بالإضافة إلى إيجاد مشاريع تشغيلية ذات ديمومة واستمرارية للشباب، بمعنى عدم الاعتماد على مشاريع العمل المؤقتة أو المشاريع الإغاثية التي توزع قسائم شرائية أو "الكبونات" على الفقراء وما إلى ذلك.