تاريخ النشر: 2025-09-02 | 13:01
تاريخ النشر: 2025-09-02 | 13:01
31 أغسطس 2025، كان يفترض أن يكون يومًا مكللًا بالأبيض، عرسًا لزميلتنا الصحفية هلا عصفور على زميلنا المصوّر الصحفي محمد سلامة.
كان من المفترض أن نزفّهما بضحكاتنا، لا أن نبكيهما بصمتنا.
لكننا اجتمعنا في تاريخ زفافهما، في نقطة الصحفيات التابعة لمؤسسة فلسطينيات في مستشفى ناصر، لا لنشاركها الزفة، بل لنجلس إلى جوارها، نمسك بيدها التي ارتجفت من فقدٍ لا يشبه أي فقد.
في الزاوية طاولة صغيرة، عليها تمر وتيرموس قهوة، وثلاجة مياه تقف بصمت بجانب فراشٍ مرتب بعناية. جلسنا جميعًا حول هلا، العروس التي ارتدت الصمت بدلًا من الفستان الأبيض.
كانت نظراتها شاردة، تائهة في المكان، تلتقط الهواء بأنفاسٍ ثقيلة، كأنها تبحث عن شيء ضاع فجأة، أو كأن قلبها يفتش بين الحضور عن الغائب.
محمد لم يتأخر لحلاقة العرس. لم ينس بدلته. لم تُعلق زفته في زحام الحرب.
محمد غاب إلى الأبد.
صعدت روحه إلى السماء، وجسده الآن في التراب الذي تجلس هلا إلى جواره، تغرس كفيها فيه، كأنها تطرق عليه بخفة وتهمس: "أنا هنا".
كأنها تتخيل يده تمتد من أعماق الأرض، تمسك يدها، ويبتسمان.
استُشهد محمد وهو يوثّق حدثًا في مستشفى ناصر، بقيت هلا، تبكيه، تروي قبره بدموعها، تسقيه من ألمها، وتلوّح له كلما اشتد عليها الحنين.
كنا قد حضّرنا كلمات التهاني، فقلناها مواساة.
أرز الفرح، أصبح للعزاء.
كنا نجهز لهلا مقعد العروس، فجلست على مقعد المكلومة.
تبدو متماسكة، لكن تنهيدة واحدة منها كافية لتشعر بأن قلبها موقد مشتعل، وأن روحها تئن من وجعٍ لا صوت له.
فلسطينيات أقامت بيت العزاء، واحتضنت هلا بكل ما تملك من دفء، لكن لا أحد كان قادرًا أن يمنحها طبطبة محمد، الذي وعدها بالسعادة، فخذله القدر وخذلها الموت.
وقفت إحدى زميلاتنا قبل أن نتناول الأرز، وقالت:
"اقرأن الفاتحة على روح محمد وهلا... هذه الجلسة تحرسها الملائكة."
كلنا شهقنا: "هلا هنا، الله يحفظها."
لم تخطئ زميلتنا، فاسم محمد لا يُقال دون أن يتبعه اسم هلا... كانا توأمًا في الرفقة، في الحب، في الأحلام.
هلا تحدّق في هاتفها، تقول:
"شاحنه 13٪... كان محمد يتصل دائمًا حين تصبح بطاريتي 13٪ ليذكرني بالشحن."
تلك التفصيلة الصغيرة، تحولت إلى مرآة فقد، فكيف بكل التفاصيل الكبرى؟
كانت تُهاتفه لتشرب النسكافيه، لتذهب للبحر، لتضحك، لتعيش...
الآن تشرب وحدها، تبكي وحدها، وتعيش نصفها فقط.
في حضوره كانت تتوهج، في غيابه، خفت بريقها، وبردت أنفاس يومها.
أرادت زيارة قبره، لكنها استقبلتنا بدله، نستمع لسيرته، ونبحث عنه في تفاصيل الجدران والوجوه، ونهمس لأنفسنا:
"روحه هنا... كفراشة تمر بنا جميعًا."
حين سألته ذات مرة:
"ماذا تقرأ؟"
أجاب:
"أقرأكِ أنتِ، يا هلا.
اليوم، تقرأ هلا الفقد كل لحظة، تقرأ وجعه في عينيها، في فنجان قهوتها، في كرسيه الفارغ، وفي زجاج نافذتها التي تُطل على غيابه.
كل الأماكن ضاقت بدون محمد.
كل الوجوه غريبة دون ابتسامته.
كل اللحظات ناقصة، دون صوته.
هاتفها بلا حياة، لأن صوته لا يطرق سماعها بعد الآن.
استشهد محمد، وترك هلا تناجيه من بعيد، تُعيد ذكرياته، تصونها، تحبّه أكثر رغم الغياب.
وبقي صوته وصورته، في هاتفها وهواتفنا، في نقطة الصحفيات بمستشفى ناصر، حيث كان يهتم بكل التفاصيل، كأنّه لا يريد للمكان أن ينقصه شيء... ولا ينقصها شيء.
وداعًا محمد... طبطب على عروسك من الجنة.
والصبر لكِ يا هلا، يا رزينة الحضور، يا دافئة القلب رغم الألم.