تاريخ النشر: 2017-12-26 | 19:02
تاريخ النشر: 2017-12-26 | 19:02
اغفروا لي لو بدا مقالي عاطفيا ولا يحمل بين طياته غير صرخة في وجه العالم، صرخة اثق انها تتململ في صدر ملايين غيرى، تشدني شدا إلي الماضي عندما كنت طفلة، عقلي يشبه آلة تصوير تلتقط صور وتخزنها بين ثنايا روحى، الصور شديدة الجودة لم تمحى حتى الأن، جعلتنى اثق أننى أسوأ الفتيات حظا، ربما لأننى ولدت هنا في مدينة عُرف عن أهلها مقاومة الجيش الإسرائيلي بعد أن تمكن من تطويق الجيش الثالث الميداني من خلال ما عرف بثغرة الدفرسوار، وقد أطلق مصطلح "الثغرة" على تلك العملية العسكرية التي خدع بها الجيش الإسرائيلي نظيره المصري، بعدما استغل أحد قرارات الرئيس الراحل أنور السادات أثناء الحرب، والذي وُصف بأنه "غير مسار الأحداث وأنهى تقدم المصريين على جبهات القتال"، لتتمكن بعدها القوات الإسرائيلية من تطويق الجيش الثالث الميداني عبر المنطقة المفصلية التي تفصله عن الجيش الثاني، وتحديدًا عند منطقة البحيرات، وتتمركز في الضفة الغربية للقناة، مهددة مدينتي الإسماعيلية والسويس، وليتأزم الموقف أكثر، بنشر إسرائيل صوراً لرئيسة وزرائها جولدا مائير في منطقة الزيتية القريبة من السويس، التي خاضت معركة بقاء شرسة، نجحت فيها المقاومة الشعبية بقيادة الشيخ حافظ سلامة في كسر الهجوم الإسرائيلي، ومنع احتلاله للمدينة الباسلة، بل وكبدته خسائر فادحة. وقد ولدت قبل طمس مظاهر الاحتفال السنوى بذكرى انتصارات اكتوبر والمقاومة الشعبية "والذى امسي ملحوظا في العامين الأخرين" ولحقت بجدى- خال أمى- في أعوامه الأخيرة والذى كان من المحاربين في فلسطين إبان حرب 1948 وهي حرب نشبت في فلسطين بين كل من المملكة المصرية ومملكة الأردن ومملكة العراق وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية ضد المليشيات الصهيونية المسلحة في فلسطين والتي تشكلت من البلماخ والإرجون والهاجاناه والشتيرن والمتطوعين اليهود من خارج حدود الانتداب البريطاني على فلسطين.
أذكر، وتلك مأساتى، صورا تدور في مخيلتى واضحة تمامًا أرى فيها وجه جدى يبكى فلسطين!
-أين فلسطين يا جدى؟
أمسك بكفي الصغير وضغط به علي موضع قلبه قائلا: هنا يا أبنتى!
لقد سمعت عن فلسطين قبل أن يعى عقلي أننى مصرية، وتسلل إلينا إيمانا بالقضية الفلسطينية من خلال أهالينا وشوارعنا والأغانى كل شىء كان يحمل بغضا لكيان الإحتلال، ويبث فينا روح العروبة، بينما رسم لنا خريطة الوطن ممتدة من المحيط إلي الخليج وقالوا لنا: عدونا صهيون لا قبول به ولا تطبيع معه، وأبدًا
لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهب..
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى
كنت أعرف أن فلسطين عربية وعاصمتها القدس ويوما ستعود حتى جاءت صورا من بغداد في عام 2003، الصور واضحة أمامى الأن، في تلك الليلة المريرة، أرى فيها وجه الصحاف - وزير خارجية وإعلام عراقي في عهد الرئيس السابق صدام حسين، والذى أدار الحرب الإعلامية خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003- كان وجهه ينم عن غلظة تعلن لنا أن العراق صامد،
أرى عجوز يرقص فوق حطام طائرة أمريكية قالوا: "اسقطها بقذيفة آر بي جيه"
قالوا: "أسود الرافدين تنهش ثعالب المارينز"
وهنا في مدينة الصمود كان إمام المسجد ينادى قبل صلاة الفجر حتى يتجمع أهالي الحي من رجال، ونساء، وشباب، وأطفال لصلاة ركعتين والدعاء للعراق حتى صلاة الفجر
هل للصور صوت؟
أقسم أننى أسمع صوتها الأن..!
كان دعاء الشيخ يجمع بين التوسل والإشفاق ونحن نؤمن على دعائه في خشوع ورجاء مختلط بالدموع
لم أرى خيبة فلسطين فقد ولدت وهى واقعة، لهذا كنت في قرارة نفسي أعلن أننى بريئة منها.. ولكن لحظة بلحظة تابعت العراق، وتمنيت لو كنت مع من ذهبوا كدروع بشرية لحماية المواقع الهامة، بغداد التى عرفتها من حكايا أخوالي، بغداد الشعراء، وألف ليلة وليلة، والسندباد
كم ليلة ونحن تحت السماء والله قريب هو من قال "وقال ربكم أدعونى أستجب لكم"
الحق بين يا الله الخبث قادم من خلف البحار، كل الصور تقول الله مع الحق وهى مسألة وقت، ربما أختبار، وكنت صغيرة لم تلوث ذاكرتى بالخيبات بعد.
وفي ليلة صامتة حتى الهواء تسلل فيها مودعا الأرض، جاءت شاشة التلفاز ثكلي تتشح بالسواد، في الزاوية نيران ودخان
قالوا: "سقطت بغداد بدون مقاومة..!"
لم اصدق المراسلين حتى اللص يتشبث بالشىء وكأنه حقه ويغامر بالشد والجذب! لكن بالفعل تركوها وحيدة، وسقطت بغداد، ربما لم استوعب الأمر تمامًا نظرا لصغر سنى وقتها، لكن كنت أدرك أن فلسطين أمست أبعد مما كانت عليه قبل هذا اليوم.
وبعد أعوام قليلة استيقظ الأمل، تحديدا في 12 يوليو 2006 بعد حصار الجيش الإسرائيلي لقطاع غزة لمدة تجاوزت شهرًا، شن حزب الله غارة عبر الحدود قتل خلالها 8 جنود إسرائيليين واختطف اثنين آخرين، وطالب بمفاوضات غير مباشرة تهدف إلى مبادلة سجناء عرب تحتجزهم إسرائيل بهما.
وردت إسرائيل بحرب مفتوحة بدأت بحصار بحري وحملة جوية مكثفة. وبعد 33 يوما توقفت الأعمال الحربية بين الطرفين.
وقتل في تلك الحرب 1191 شخصا في لبنان، معظمهم من المدنيين، بينما قتل 121 جنديا إسرائيليا و44 مدنيا.
وكان من بين الأهداف التي حددها مسؤولون إسرائيليون للحرب التي شنوها الإفراج غير المشروط عن الجنديين، ونزع سلاح حزب الله، أو على الأقل، إنهاء التهديد الطويل الأمد الذي يمثله لإسرائيل.
ولم تحقق إسرائيل أيا من تلك الأهداف، واستمر حزب الله في إطلاق الصواريخ حتى اليوم الأخير من الحرب، فوجدت القيادات العسكرية والسياسية الإسرائيلية نفسها في حال من التخبط.
أما حزب الله فكان لديه هدف واحد من الغارة التي نفذها، وهو إجبار إسرائيل على إجراء مفاوضات غير مباشرة بهدف الوصول إلى تبادل للأسرى: الأسيرين الإسرائيليين (ولم يحدد حزب الله إن كانا قد قتلا في الغارة) مقابل أسرى عرب لدى إسرائيل.
وفي عام 2008 تحقق له ذلك، وأفرجت إسرائيل عن 5 سجناء لبنانيين، إضافة إلى بقايا جثامين 199 مقاتلا لبنانيا وفلسطينيا، مقابل جثتي العسكريين الإسرائيليين.
وإذا اعتمدنا الأهداف الحربية معيارا للنصر والهزيمة، يمكننا الاستنتاج بأن حزب الله انتصر في تلك الحرب، وبأن إسرائيل هزمت. غير أن حجم الدمار الذي ألحقته إسرائيل بلبنان شكل تحديا أمام خطاب النصر الذي روج له حزب الله.
وبالإضافة إلى القتلى والجرحى، هجر ما يقارب المليون شخص منازلهم، ودمر 15000 منزل، 900 معمل، إضافة إلى الطرقات والجسور وأجزاء من مطار بيروت الدولي وغير ذلك من البنى التحتية.
وقد عانى المدنيون في مناطق يتمتع فيها حزب الله بالتأييد الشعبي أكثر من غيرهم من الحرب، وبعد أن انتهت قال أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، إنه لو علم حجم الرد الإسرائيلي لما أمر عناصر الحزب بالقيام بالعملية ضد الجيش الإسرائيلي، وليس لدى أى تعليق علي أحداث تلك الحرب بعد ذكر عدد الضحايا من الأبرياء وبقاء فلسطين محتلة حتى الأن لكن يمكننى ضم تلك الحرب إلي خيبة أمل جديدة بحسابات من تعلق بالوهم. وأن كان هناك حسابات أخرى لدى البعض الآخر. وانزوت الخيبة في ذلك المكان الذى تختفي فيه أسوأ مشاعرنا وتنمو خلسة، فقط نشعر أن هنالك ثقل يتغذى علي الكآبة والأحباط ونضبط أنفسنا نحزن بلا سبب واضح في أكثر اللحظات فرحا ونغرق في حزن غامض لأسباب لا تستحق.
وكبرنا وأمسى الأمر عاديا، وتعددت الخيبات في سوريا وليبيا واليمن، بعد ثورات الربيع العربي. ولم يكن الصمت برودا بل شيئا يشبه الاعتياد؛ خاصة بعد التنازل عن مصرية جزيرتي تيران وصنافير. لكن البعير دائمًا يتحاشي القشة، وفي ليلة صامتة، تشبه ليلة سقوط بغداد، يتضح أن ظهر البعير لم يقصم بعد. وتبقى الحيرة بين الرغبة في الاسستلام التام للواقع، وبين شىء اقوى من التناسي واليأس، أقوى من التغاضي عنه.
فهل سيتم تهويد القدس أمام أعيننا وأقصي ما قد يفعله البطل فينا كتابة كلمتين هنا أو هناك، قد تمط الشفاه عليها حسرة أو تنصفها بكلمتين، كما فعل العرب من قبل "ويفعلون دائمًا"، ثم ننسى؟!
هل هناك معنى آخر للوطن غير الذى تعلمناه؟!
أم هناك صور أخرى ستضاف إلي الذاكرة المكتظة بالخيبات؟
حسنًا، فليكن ما يكون ولكن من يعيد لنا طفولتنا، ويقتلع قدسية الأماكن من أرواحنا، و يبتر الوطن من الذاكرة والشعور حتى
نصالحْ!
ولو لم يمنحونا الذهب
لو فقأوا اعيننا
ثم ثبتوا جوهرتين مكانهما
سنرى..!
هي أشياء خدعونا حين قالوا لا تشترى.