تاريخ النشر: 2017-05-10 | 08:36
تاريخ النشر: 2017-05-10 | 08:36
لم تعُد وظيفة وسائل الاعلام تقتصر على نشر الأخبار والتأثير في الرأي العام، والتوعية والتثقيف وتعزيز الدور القيمي كدور رئيس ارتبط بوجودها، بل تجاوزت هذه الادوار التقليدية، لتصبح رافعة ولاعباً حقيقياً في عملية التغيير على جميع الصعد كافة.
قانون المطبوعات والنشر لعام (1995) تضمن نصوصا أكدت على دور وسائل الاعلام في تعزيز الخطاب الوحدوي وحماية السلم الأهلي والمجتمعي ونبذ كل انواع التحريض لأي نوع من انواع الخطابات التي تدعو إلى الكراهية أو التحريض على العنف وبث الفرقة.
طرأ تغير على هذه الادوار بفعل الثورة التكنولوجية وما صاحبها من سرعة تدفق المعلومات، ودخول الاعلام الاجتماعي لهذا المشهد، والذي برز بشكل جلي خلال ما عرف بثورات الربيع العربي، وما صاحبها من تغييرات سياسية فرضتها الاحداث لتطال الخطاب الاعلامي ليصبح جزءا لا يتجزأ من حالة الصدع والاحتراب، بعدما زج بنفسه في آتون الثورات والصراعات الداخلية.
الاعلام الفلسطيني كغيره من وسائل الاعلام وعلى مدار العشر سنوات الماضية ونيف، تأثر بالحالة السياسية وعدم الاستقرار التي سادت في تلك المرحلة، حينما حاد عن وظيفته الأساسية في نقل الحقائق وتعزيز قيم التسامح ونبذ التطرف والعنف، ليصبح مساهم رئيس في توتير الوضع وتأجيج النفوس ليتراجع عن دوره الرئيس في بث الوحدة وحماية السلم الأهلي.
القاموس الاعلامي الفلسطيني غزته مصطلحات ابان هذه الفترة لم نعهدها من قبل، وساد خطاب التخوين والتخويف والكراهية، نتيجة اقحام - بعض وسائل الاعلام الحزبية-لنفسها في اتون الصراعات الداخلية، لتصبح شريكا رئيساً في بث خطاب اعلامي جديد يغذي في مضمونه روح الكراهية والتعصب والتحريض.
الخطاب التحريضي السلبي ينتج عادة رسالة سلبية تؤثر على الجمهور بعدما تجاوز الأخيردور المتلقي ليصبح فاعلاً ومؤثرا في المشهد الاعلامي خاصة في ظل اتساع مساحات حرية الرأي والتعبير التي فرضتها مواقع التواصل الاجتماعي، والانتشار السريع لوسائل الاعلام الأخرى.
ولكونخطاب الكراهية والعنف يُعد الأكثر اثاره ومتابعة من قبل الجمهورعلى الرغم منالنتاج السلبي لهذا الخطاب على نسيج المجتمع وأمنه واستقراره على عكس الخطاب التسامحي التصالحي الذي لم يحظ بالكم الهائل من المتابعين كخطاب النقيض إلا أنه في النهاية يحمل منطومة قيمية وانسانية سامية تعزز من حالة السلم الدائم.
ما نعايشه على الساحة الفلسطينية من تبعات حالة الانقسام والتي امتدت للمشهد الاعلامي برمته، وما زلنا ندفع ثمنها حتى اللحظة،وأدت إلى تشوه المشهد وانحرافه عن بوصلته الحقيقية بعدما تماهت بعض وسائل الاعلام مع حالة الانقسامووقعت في قبضة الأحزاب السياسية والقرار الرسمي لتصبح مجرد دمى تُحرك وقت الحاجة، لخدمة هذه الاجندة الحزبية أو تلك ليصبح الاعلام تابعا للحالة السياسية السائدةويفقد جزءً من هيبته وشخصيته الاعتبارية.
أمام هذه الصورة والمشهد المتناقض في الساحة الاعلامية كيف يمكن التخلص من هذه الشوائب التي علقت بخطابنا الاعلامي؛ من أجل استرجاع لدوره الحقيقي والايجابي الذي طالما تبوأت قضيته الوطنية العنوانين العريضة في وسائل الاعلام العربية، ولكنها تراجعت هذه المرتبة بفعل الانقسام الداخلي ، ولم يعد المشهد الفلسطيني حاضرا بوضوح في تلك الوسائل.
الكل مسؤول ولا يمكن تحميل طرف دون الاخر لحالة الشرخ الذي اصابت السلم المجتمعي بفعل الدور غير الموضوعي التي لعبته وسائل الاعلام، أسئلة عديدة تضج بها العقول في محاولة لرأب الصدع ومجابهة نهج التعصب والتطرف لخطاب الكراهية السائد، الذي ساهم في رفع وتيرته نشطاء ومتابعوا مواقع التواصل الاجتماعي عبر العالم الافتراضي من خلال هذه المساحة المتاحة.
حيال هذه الصورة والمشهد ما هو المطلوب وعلى جميع المستويات الرسمية والمؤسساتية والأفراد، من منطلق الكل مسؤول عن هذه الحالة التي وصل اليها الاعلام، لا بد من الاسراع في تشكيل المجلس الأعلى للإعلام ليقوم بدوره المنوط به في تطوير الخطاب الاعلامي الوطني ورسالته للتأثير في الرأي العام والمحلي، عدا عن ضرورة البحث عن اليات واسعافات عاجلة للحد من خطاب الكراهية والعنف الذي يُبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال تكثيف حملات التوعية والتثقيف ومراعاة أدبيات النشر الاخلاقية بحيث لا تتجاوز حرية الاخرين من خلال النشطاء.
توطين اخلاقيات مهنة الصحافة ذاتياً قبل مؤسساتيا لتكون نهجاً سائداً وليس طارئاً لا بد من الاتفاق على ميثاق شرف تُوقع عليه المؤسسات الاعلامية بما يعزز من حساسية خطاب الوحدة والتسامح لضمان استقرار المجتمع كتمهيد لفكرة تأسيس لعقد اجتماعي جديد يؤسس لمجتمع صحي تكون دعائمه اعلاء قيم التسامح، وتضمين هذه القيم السامية والانسانية في انظمتها الداخلية، كون أن خطاب الكراهية تُدفع فاتورته الباهظة الثمن من دماء الشعب وامواله وأمنه واستقراره
يقع دور كبير على وسائل الاعلام الجماهيري في تعزيز الوحدة وروح التسامح كونها الاكثر قرباً وتأثيراً في نفوس الجماهير، علينا كذلك تعليم قبول الرأيوالرأي الاخر قبل تقديم هذا النموذج، وعدم تحويل ثقافة الاختلاف الى ايدلوجية الاختلاف والتنظير لها والتعامل مع التنوع والاختلاف كسنة كونية .
تقديم نماذج ايجابية عبر وسائل الاعلام لأنها تعكس رسالة ايجابية على المجتمع و السلم المجتمعي، والبعد قدر الامكان عن تقديم نماذج تحمل الفكر الاقصائي التطرفي لأنها حتما ستؤثر سلبا على الجمهور.
لا بد كذلك من تقديم المصلحة العليا للمجتمع على المصالح الفئوية الضيقة على مبدأ أن جميع المواطنين والمواطنات سواء أمام القانون، وهذه المساواة تعزز من قيم التسامح كطريق للتكامل والوحدة.
على المؤسسات الاعلامية تحفيز الخطاب التصالحي الذي يخدم الوحدة الوطنية عبر تنظيم مسابقات دورية وليست موسمية لأفضل عمل اعلامي يعزز من هذه القيم يستهدف الاعلاميين/ات من الشباب.
تشكيل لجان من خبراء الاعلام والاكاديميين لمتابعة ما يبث عبر وسائل الاعلام المختلفة واستقبال الشكاوى التي تتجاوز سقف حرية الرأي والتعبير والتي تشكل تهديدا للسلم المجتمعي.
وأخيرا الخطاب الاعلامي الوحدوي المتسامح يجب أن يكون استراتيجي ويحظ بالديمومة وليس خطاباً طارئاً تفرضه الضرورة.