تاريخ النشر: 2017-03-08 | 22:57
تاريخ النشر: 2017-03-08 | 22:57
عندما لا تجد حلا لها تعاني القضايا الكبرى من سطوة الأفهام الضيقة، والقولبة المخلة لروحها.. ويصار إلى الابتعاد عن طبيعتها وجوهرها، إلى الجانب النفسي والعاطفي، الذي يحيط بها، فتغدو على غير حقيقتها، مما يزيد من التعقيد، ويجعل المهمة أكثر صعوبة.. و القضية الفلسطينية الكبيرة في دلالاتها ومعانيها، والحاضرة عبر قرن من الزمان، كما لم تحضر قضية أخرى، أصابها من ذلك المرض الشيء الكثير، حتى تم تفريغها من كثير من عناصرها الأساسية على المستوى النظري والواقعي..
وهنا لا بد أن نثير عدة أفهام تقتحم وعي الناس ومسلماتهم، حتى نعيد المركبة على السكة، لأنه يراد لنا أن تعمى عنا رؤية المشهد، ومعرفة عناصره، لاسيما على جبهة الأعداء والأصدقاء.. من هذه الأفهام ان القضية الفلسطينية منذ الربيع العربي تراجعت، وأصبحت ليست ذات أولوية وعزز هذا الفهم تصريح الرئيس الأمريكي بذلك، وطغت أحداث البلدان العربية وفوضى الساحة الفلسطينية من انقسام ولهث خلف مفاوضات عبثية ادى الى الاعتقاد بان القضية الفلسطينية لم تعد هي المركزية في قضايانا والشاهد على هذا المعيار هو تضاؤل حجم الاهتمام الإعلامي بها.. ويزيد الطين بلة ما تحاول بعض الأنظمة العربية من تمريره بتطبيعها مع الكيان الصهيوني من خلال علاقات ترتقي الى تشكيل أحلاف أمنية لم ينكرها أي الأطراف وتتباهى القيادة الصهيونية بذلك.
انها عملية خداع كبرى تتم بوسائل عديدة كي يتم تفتيت كل شيء في بلداننا فيما نحن منشغلون عن فهم طبيعة المعركة وجوهرها.. فمن جديد كيف يمكننا فهم طبيعة المعركة وإدراك جوهرها وأين نضع قضية فلسطين؟ وحتى نقترب من التجديد نلقي نظرة على الكيان الصهيوني فبالأضداد تعرف الاشياء.. نبدأ بالحديث عن بعدي لكيان الصهيوني: البعد الاول الوجود الصهيوني وهذا قائم على نظرية عنصرية صهيونية تعتبر المبرر الايديولوجي لجلب اليهود من شتى اصقاع الارض لإقامة كيان خاص على انقاض فلسطين.. والبعد الاخر هو دور هذا الكيان ووظيفته في الاقليم، والعلاقة بين الوجود والوظيفة طردية.. ومع الزمن أصبح واضحا أن الدور يتمدد ولا يقتصر على ان يكون الكيان الصهيوني قاعدة امنية عسكرية استراتيجية للغرب ولأمريكا بشكل خاص ولم يعد كما وصفه هنري كيسنجر بانه سوط امريكا في المنطقة تهدد به من تشاء.. انما أصبح دور الكيان الصهيوني يتعدى ذلك بكثير أمنيا واستراتيجيا فأينما بحثت عن أسباب نكبة وأزمة في أي بلد عربي فانت ستجد حتما ان هناك ايدي صهيونية فمن تدمير مفاعل تموز العراقي واغتيال العلماء المصريين ومحاولات الاختراق الدؤوبة للمفاعل النووي الايراني والتسهيل امام مهمات الهجمات الاستعمارية الاستراتيجية فمثلا جنوب السودان ما كان له ان ينفصل لولا الدور الصهيوني بالتدريب والاستخبارات كما صرح بذلك قادة الجنوب وافصح عنه ضباط أمن صهاينة والامر نفسه في شمال العراق حيث كان للموساد الصهيوني بزعامة المسئول الامني الكبير"ديفد بن اليعازر" وقتها في منتصف السبعينات الدور الواضح في تعميق روح الانفصال ومنطقه وظروفه.. والامر نفسه يمكن ملاحظته في أكثر من مكان لاسيما في العراق بعد سقوط النظام واحتلال الامريكان حيث انهمكت مجموعات الموساد في تصفية علماء العراق ورجالاته.. وما يجري حاليا من امداد جيش النصرة وسواه من مجموعات مسلحة في سورية بالمؤن والعلاج والمعلومات الامنية امر مهم في تحديد الدور.. ويمكن متابعة اختراقات الموساد الصهيوني للدول الافريقية المحاذية للدول العربي وكيف يتم تحريضها ضد الدول العربية.
من هنا نكتشف ان الكيان الصهيوني لم يكتف بالاهتمام بوجوده البيولوجي في ارض فلسطين على صعيد الاستيطان وانشاء بنية صناعية تجارية وعسكرية وهذا بعد مهم في مشروعه لكنه أيضا يقوم بدور رئيسي وطليعي في المنطقة والاقليم كله لتفتيه واختراقه واستنزافه وتخريب عناصر قوته ومنعه من التطور التكنلوجي وتشكيل التهديد المستمر لامنه فماذا يعني تخزين مئات الصواريخ النووية والاسلحة فائقة التطور في الكيان الصهيوني هل المقصود من ذلك الشعب الفلسطيني؟.. إن هذه المهمة لها بعدين أحدهما خدمة لاستمرار الوجود الاستعماري الصهيوني في فلسطين بعدم السماح بتواجد أية قوة عربية.. أما البعد الأخر فهو ما يناط به من قبل الادارات الغربية في سياق هجومها الشامل والمركز والمتواصل على بلداننا العربية..
بدأنا هكذا نتعرف على عناصر المشهد كما هو بعد ان ازحنا الضباب عنها.. وهنا نطرح اسئلة مباشرة: الى أي نتيجة وصل التدخل الاجنبي في حراك الشعوب ونخبها السياسية وتنظيماتها في مرحلة "الربيع العربي" وما قبله..؟ ولنضرب مثلا صارخا في السودان والعراق وسورية وليبيا ودول عربية وافريقية اخرى.. حيث يتم تفتيت الاقليم الى اثنياته وتحريضه على بعضه واذكاء أوار الحرب بينها..
والهجمة الغربية الاستعمارية على امتنا بهذا الشكل تجعل من الكيان الصهيوني كوجود وكمهمة يحتل مركزية المشروع الاستعماري.. وهكذا تصبح القضية الفلسطينية بما تعنيه من صراع مع قاعدة المشروع الغربي مركزية لمشروع نهضة الأمة المتمثل في وحدتها وتقدمها التكنلوجي وتصنيعها ولا يمكن العمل على أي بعد من ابعاد النهضة بدون ربطه بامتداداته الطبيعية والتي تتجمع في المركز..
هنا نريد القول المباشر أيضا ان الغرب يوزع ادواته في الصراع ضدنا ويستخدم كل الانواع الثقافية والامنية والسياسية والاقتصادية للوصول الى هدف مركز يتمثل في تأبيد التخلف والجوع والفقر والتبعية في منطقتنا.. ومن هنا فلابد ان ندرك ان أي خطوة حقيقية في أي بلد من بلداننا لتجاوز التخلف و الحد من الفقر والجوع و التحرر من قوانين التبعية انما هي ستكون بشكل مباشر مصطدمة مع المهمة الاساسية للكيان الصهيوني في المنطقة..
الغرب الاستعماري لم يتوقف ولن يتوقف عن هجومه الاستراتيجي على عناصر القوة في بلداننا فهو يرى في ذلك مبرر هيمنته وتفوقه واستمرار الرفاه في مجتمعاه بنهبه ثرواتنا بأبخس الاثمان وخلق اسواق استهلاكية لمنتوجاته وبذلك يحافظ على هيمنة نظامه الرأسمالي لذلك فان القضية الفلسطينية تبرز مركزية الصراع بين امتنا والغرب سواء راينا ذلك ام عمي علينا.. والغرب يدرك ذلك تماما ويعمل على اساسه ولم تتراجع القضية الفلسطينية لديه خطوة كما يعمي علينا بل انها الان اكثر في حسه من أي مرحلة سبقت تتفاعل في مجموع القضايا.. وان حرماننا من رؤية ذلك يعني اننا لن نمتلك رؤية حضارية لمواجهة العدو الذي يستهدف وجودنا ومستقبلنا ويعني بعثرة وعينا والزج بنا في قضايا فاقدة التواصل والتبرير.. اننا بحاجة لتعميق هذه الرؤية لكي نرى عناصر المشهد والترابط والتفاعل فيما بينها بوضوح وندرك كيفية مواجهة التحديات ونحسن ترتيب اولويات المواجهة الحضارية مع كل الابعاد الروحية والقومية للمسألة