تاريخ النشر: 2026-02-14 | 11:33
تاريخ النشر: 2026-02-14 | 11:33
أنا من الذين أعلنوا بوضوح منذ اليوم الأول أن السابع من أكتوبر كان مقامرة متهورة بمصير شعب كامل، وأنه قرار اتخذته قيادة لم تدفع ثمنه، بينما دفعه الناس دمًا وبيوتًا ومستقبلًا.
لكن رغم هذا الموقف الواضح، يبقى هناك خط أحمر لا يجوز تجاوزه:
شرف الدم.
الشباب الذين خرجوا في ذلك اليوم لم يكونوا قادة، ولا صُنّاع قرار، ولا أصحاب حسابات سياسية. كانوا جنودًا نفّذوا أوامر قيادة، من ضمنها قيادات تجلس اليوم في الفنادق وتدير المعارك عبر الشاشات.
وحين يخرج قيادي مثل موسى ابو مرزوق ليقول إن الذين قتلوا مدنيين يومها هم “جواسيس للاحتلال”، فنحن لا نكون أمام زلة لسان… بل أمام سقطة أخلاقية مدوية.
لأن معنى هذا الكلام ببساطة: أن القيادة التي أرسلتهم إلى الموت تتبرأ منهم بعد موتهم.
وأن دماءهم تُستعمل حين تحتاجها الدعاية، ثم تُلقى في سلة “العمالة” عندما تصبح عبئًا سياسيًا.
أي عارٍ هذا؟
إذا كان التصريح جزءًا من محاولة للهروب إعلاميًا من المسؤولية، فهذه ليست براعة سياسية… بل انحدار أخلاقي مخيف.
وإذا كان زلة لسان، فالمصيبة أكبر: كيف يمكن لقائد أن يتهم مقاتليه بالجاسوسية وهو يعلم أن آلاف العائلات تحمل صورهم بوصفهم شهداء؟
السؤال الأكثر إيلامًا ليس موجّهًا للقيادة فقط… بل للقاعدة.
كيف مرّ هذا الكلام دون غضب داخل ؟
كيف لم تثُر ثائرة رفاق الدرب؟
كيف سكت أصحاب الدم؟
في تجارب الحركات الوطنية، يُغفر الخطأ السياسي… ولا يُغفر الطعن في شرف المقاتلين.
لكن ما نراه هنا يشير إلى شيء أخطر من مجرد تصريح:
يشير إلى ثقافة الطاعة التي تطفئ حتى رد الفعل الإنساني الطبيعي.
وفي المقابل، نرى في ساحات فلسطينية أخرى أن الأنصار لا يترددون في مهاجمة قياداتهم علنًا إذا مست كرامتهم أو خالفت قناعاتهم.
أما هنا… فقد مرّ اتهام الشهداء بالجاسوسية كأنه خبر عابر.
وهذا أخطر ما في القصة كلها.
لأن القضية لم تعد قضية موقف من السابع من أكتوبر…
بل قضية معنى الوفاء نفسه.
فالشهداء قد يكونون ضحايا قرار خاطئ،
وقد يكونون وقود مغامرة كارثية،
لكنهم لا يمكن — في أي أخلاق وطنية — أن يتحولوا بعد موتهم إلى “جواسيس”.
وعندما تصل الحركات إلى لحظة تتبرأ فيها من دم أبنائها…
فهذه ليست أزمة تصريح،
بل بداية انهيار المعنى كله.