موجة الإرهاب التي اجتاحت مصر في 25 يناير وما بعده لم تكن غير متوقعة، فمنذ الصيف ثمة استعدادات على قدم وساق وضعها التنظيم الدولي للإخوان المسلمين من مقره في تركيا لتكثيف العمل على الجبهة المصرية وإعادة هيكلة القيادات الإخوانية وتنظيم خلايا جديدة وتسخير كل امكانات التنظيم المادية والمعنوية للعمل داخل مصر باعتبار ألا مستقبل لجماعة الإخوان من دون مصر، وأن التشتت على الجبهات الأخرى مثل سوريا، لا طائل من ورائه بل إن التنظيم طلب من عناصر الإخوان في سوريا عدم المشاركة في القتال رغم قلة تأثيرهم والانكفاء نحو الحدود مع تركيا الحليف الاستراتيجي للجماعة .
كانت الجهود التي بذلها العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز لفتح صفحة جديدة بين القاهرة والدوحة، قد توقفت قبل رحيل العاهل السعودي بقليل، حيث قدمت قطر لمصر مطالب لبحثها من أهمها فتح معبر رفح ووقف ملاحقة جماعة الإخوان وإعادة الاعتبار إليها، وهو ما اعتبرته مصر تدخلاً في شؤونها الداخلية، حيث رفضت مجرد مناقشة هذه المطالب باعتبارها تدخل ضمن إطار الأمن القومي المصري .
عملياً كان التنظيم الدولي للإخوان كثف من جهوده لدعم خلايا الجماعة في مصر بالأسلحة والمتفجرات والتدريب في ليبيا انتظاراً لشن موجة جديدة من الهجمات داخل مصر بدءاً من الخامس والعشرين من يناير ذكرى الثورة المصرية، وتضمن برنامجه شل حركة النقل وإغراق مصر في الظلام بتفجير أبراج الكهرباء والمحولات، وزرع عبوات حقيقية، وأخرى وهمية لبث الرعب في كل مكان، لأن الخروج في تظاهرات عارمة بات صعباً باستثناء بؤرة المطرية التي تم حشد الجماعة فيها من الأقاليم .
مصر تدرك أن واشنطن ما زالت تراهن على جماعة الإخوان وهي لم تعترف بعد بهزيمتها ميدانياً في العالم العربي، وتغض الطرف عن الدعم الإقليمي لها من بعض الدول، بل استقبلت وفداً من الإخوان أثناء الهجمات الإرهابية الأخيرة . وكانت أوساط دبلوماسية عربية أشارت إلى حالة امتعاض في رأس الهرم في بعض الدول العربية المقربة من واشنطن، حيث أبدت الأخيرة أثناء لقاءات على مستوى قمة وأقلها مع الأمريكيين عن تشاؤمها من الموقف الأمريكي تجاه قضايا ساخنة، وهي محاولة واشنطن للدفع بجيوش عربية لمحاربة "داعش"، وتركيز واشنطن على الصراع مع روسيا والصين وتجاهل القضية الفلسطينية، والطلب صراحة من بعض الدول العربية التنسيق مع "إسرائيل" لتحصين نفسها من "داعش" وكأن "داعش" إنتاج عربي وليست إفرازاً لسياسة أمريكية حمقاء في العراق ثم في سوريا، وصولاً إلى ليبيا وتحالفها مع الحاضنة الطبيعية لهذه التيارات وهي جماعة الإخوان .
حتى الآن ما زالت مصر مصممة على المضي في خريطة الطريق وعقد المؤتمر الاقتصادي لجذب الاستثمارات وإجراء الانتخابات البرلمانية، وتعلم أن المخطط الإرهابي يستهدف زيادة المتاعب الحياتية للمواطن المصري، وغلق آفاق الاستثمار الخارجي، ووقف مشروعات التنمية المحلية، ثم عرقلة إجراء الانتخابات، وهذه التحديات لا تحتاج إلى مفكرين لفهمها لأن الشارع المصري أدرى بها ولم تعد خافية على أحد .
أسابيع صعبة تنتظر الشارع المصري لأن غزوة الإخوان معدة سلفاً إذ يعتبرونها آخر معاركهم على الساحة العربية في معقلهم الأول مصر، فإن نجحوا في إعادة الفوضى إلى مصر عادوا إلى الأجندة الأمريكية والتحالفات القديمة التي من ضمنها إطلاق أيديهم في كل الأقطار العربية، طالما التزموا بأمن "إسرائيل" وحماية المصالح الأمريكية، والاستمرار في خدمة سياسة عدم الاستقرار في المنطقة العربية التي تنتهجها واشنطن، ومحاولة خلق بعبع جديد في المنطقة، إضافة إلى "إسرائيل" مثل "داعش" والحوثيين وإيران، في محاولة لإعادة صياغة تحالف جديد بين تركيا والسعودية وقطر، وإنعاش جماعة الإخوان .
عن الخليج الاماراتية