كانت الولايات المتحدة و"إسرائيل" من بين سبع دول رفضت قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الموافقة على معاهدة روما للعام ،1998 التي دخلت حيز التنفيذ عام 2003 وأنشئت بموجبها المحكمة الجنائية الدولية التي صادقت عليها حتى الآن 123 دولة، من بينها 13 دولة عربية، كانت آخرها الدولة الفلسطينية .
لم تكتف الولايات المتحدة بالاعتراض، بل مارست ضغوطاً على الدول الأخرى الأعضاء بالمحكمة، وكذلك على الدول الممولة، خصوصاً اليابان وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ثم عملت على إضافة بنود محددة إلى المعاهدة كي لا تطالها أية دعاوى تقام ضدها جراء جرائم ارتكبتها في أفغانستان والعراق وغيرهما من الدول، والتي تعتبر جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية .
وبعد أن فشلت في كل مساعيها هذه، عمدت إلى إبرام اتفاقيات مع العديد من الدول تعفي مواطنيها من أية ملاحقة أمام محكمة الجنايات الدولية في حال ارتكبوا جرائم حرب على أراضيها . وقد حاولت ذلك مع العراق قبيل انسحابها من أراضيه وفشلت، كما حاولت الأمر نفسه في أفغانستان مع الرئيس السابق حامد قرضاي إلا أنه رفض، لكنها أبرمت الاتفاق مع الرئيس الجديد، كشرط لإبقاء الآلاف من جنودها في أفغانستان .
لذا، لم يكن موقفها السلبي من انضمام فلسطين إلى المحكمة أمراً مستغرباً، لأن المستهدف من هذا الانضمام هو قادة الكيان الصهيوني الذين ارتكبوا جرائم حرب ضد الفلسطينيين والعرب، خصوصاً أن هذه الجرائم أكانت أمريكية أو "إسرائيلية" لا تسقط بالتقادم . كذلك من البدهي أن يكون الموقف الأمريكي داعماً للموقف "الإسرائيلي" بحكم التحالف الاستراتيجي بينهما، ونظراً لتشابه الجرائم التي ارتكبها قادة الكيان وأمريكا، الذين يجب أن يساقوا إلى المحكمة ويمثلوا أمام العدالة الدولية .
الولايات المتحدة مثلها مثل "إسرائيل" لهما مفاهيمهما الخاصة للعدالة والحرية وحقوق الإنسان، وهي مفاهيم تقوم على القوة لفرض وقائع جديدة، حتى لو كانت تستند إلى تزوير الحقائق وتبرير أي فعل بالكذب والنفاق وإعطائه طابعاً حقوقياً وإنسانياً مزوراً .
المسألة هنا تدخل في صلب الإيديولوجيا القائمة على التفوق والتمييز والعنصرية والإبادة، التي كانت أساساً في نشوء البلدين .