تاريخ النشر: 2017-09-21 | 10:58
تاريخ النشر: 2017-09-21 | 10:58
"نعم ..هؤلاء هم اليهود يا صغيري .. كما قلت لك سابقا لا مبدأ لهم عند مصلحتهم ."
ولأول مرة رأت أم محمد نظرة الغضب تفيض من عينيه ، وشيئا فشيئا كبرت هذه النظرة متحولة الى دمعة نزلت من عينه مع دخول ذرة تراب رياح الخماسين اليها والتي هبت ومعها رائحة الربيع بينما كان محمد يجلس في حديقة البيت الصغيرة قبالة أمه التي كانت تقول :
- لكن في زمن الفتوحات الاسلامية وقدوم عمر بن الخطاب عاد اليهود قلة ..
وابتسم محمد للفراشة التي حطت على يده وأمه تتابع :
- وفي تلك الفترة من عمر فلسطين كان في القدس كلها قرابة العشرين يهوديا .
ورأت الفراشة تنتقل الى وجنة محمد الذي اتسعت ابتسامته مع ابتسامة أمه التي كانت تقول :
- سمح لهم عمر بالبقاء في القدس شرطا أن يعملوا خدما وعمال تنظيفات في المسجد الاقصى .
وتأمل محمد بنشوة الفراشة التي انتقلت الى احدى الزهور وهو يهمس بصوت شارد النبرات :
- هل كنا خدم عندنا وكنا نحن أسيادهم ؟
- نعم..
- ونحن؟
- نحن أصحاب هذه الارض كنا ولازلنا نمثل كل فلسطين يا صغيري.
كما أن عددهم تقلص فيما بعد .
- لماذا ؟
- سماحة الدين الاسلامي جعلت الكثير منهم يسلمون لأنه دين رحيم وجميل فأحبوه واعتنقه الكثير منهم .
فشردت أفكاره الصغيرة هنيهة.. مادامت هذه أرض الفلسطينيين والتاريخ يثبت هذا فلماذا يبقى الناس صامتين ولا يدافعون عن ملكهم ؟ وأحست أمه بتساؤله فقالت بسرعة :
- نحن لسنا مستسلمين يا محمد ..فمواجهاتنا معهم لم تتوقف منذ قرون .. لكننا اليوم لا نملك القوة المناسبة لمواجهتهم في حرب حقيقية . فميزان القوة في كفتهم .. يلزمن الصبر قليلا لجمع قوة كافية .
- كما فعل عمر ؟!
- تماما فالأسلحة المتفرقة والمواجهات الفردية ورمي الحجارة والأحزاب المتعددة هذا كله لا يجدي نفعا .. كإطلاق نار في الهواء.
ورأته يلتزم الصمت ولمعة الذكاء المطلة من عينيه تتأجج وهي تضيف :
- نحتاج لتكوين قوة حقيقية .. وهذا يحتاج الى سنوات من التخطيط والعمل الجماعي . وأول قوة يجب علينا حشدها هي "الوحدة" وترك هذه التفرقة التي نحن عليها .
يجب عليك أن تعلم يا محمد أننا لو ملكنا قوة الكون فلن ننتصر ونحن على هذه التفرقة . سيسهل عليهم هزيمتنا . هذه قاعدة أساسية ومن بعدها يأتي كل شيء .
كانت كلمات أمه ترن في عقله بقوة كرنين جرس المدرسة الذي يتصاعد لينبهه أن يومه الدراسي قد انتهى وبينما استعد لمغادرة الفصل نادته مدرسته طالبة منه أن يصحبها معه الى بيته لرغبتها برؤية أمه فسار معها وراى أمه تصافحها وتدعوها الى الدخول لتخوض المدرسة حديثا عنه كان محمد يفهمه جيدا .. فقد كانت مدرسته تصفه بالنابغة في مادة تاريخ فلسطين التي تفوق فيها وتشكر فضل أمه وجهودها في تربيته على هذه النزعة الوطنية التي يملكها ولم يسمع بقية الحوار وهو يتوضأ للصلاة .. وما أن أنهى صلاته حتى قابلته أمه بعناق طويل وفوجئت به يسأل باهتمام :
- كيف استطاع عمر أن يفعل هذا ؟
فرددت بدهشة :
- عمر من ؟
- عمر بن الخطاب .. كيف استطاع توحيد المسلمين كلهم تحت راية واحدة وجعل اليهود خدم عندنا ؟؟
- المسلمون لم يكونوا قد تفرقوا بعد يا محمد .. فما تراه اليوم هو شيء حديث لم يكن موجود في العقيدة الأساسية للمسلمين .
وشردت عيناها وهي تضيف باهتمام :
- أما عن كيفية جعلهم خدم عندنا...فهو نتاج تلقائي للوحدة . اذا تحققت الوحدة فلن يكون علينا بذل الكثير من الجهد ستتقارب القلوب وتتلاحم العقول في التفكير والأيدي في التدبير وهذه أهم عوامل النصر ..
ومن جديد عادت تلمح ذلك البريق العجيب في عينيه والذي ينبئ بذكاء غير طبيعي ... وأفكاره تشرد بعيدا..
يتبع ...