تاريخ النشر: 2017-05-20 | 19:17
تاريخ النشر: 2017-05-20 | 19:17
كانت امينة تواصل حديثها قائلة:
- كان عطوفا صادقا مرهف الحس..وكان يحب كل شيء الناس الفراش القطط والعصافير وكان يتأثر بجوع القطة وبحبس العصفور في قفص..ويتردد في قتل الفأر الذي يعبث في أشياء المطبخ...
ومسحت على رأس الصغير ذو الست سنوات وهي تتابع بابتسامة شاردة:
- وكان يتمنى أن يكون له طفل جميل يحمل حب الأرض الجريحة بين ضلوعه ويصنع طبها بيديه ...كان يتمنى أن يكون له (محمد)...ولطالما عطف على كل طفل وكأنه يرى في وجوههم صورة ابنه محمد ولطالما سالت دموعه حزنا لأجل المحرومين واليتامى والشهداء أهليهم والمفقودين أبناءهم..
كان محمد صامت تماما وهو منغمس فيما تقول وصمتت هنيهة جعلت ذهن الطفل المحدود يرحل بعيدا وهو يسأل:
- هل كان يعطيهم النقود؟
فابتسمت لبراءته عندما توقف صوت المطر وردت:
- نعم يا صغيري واكثر من هذا ...كان يحاول تعويض اليتيم عن أهله بأن يكون هو أهله...
فعاد محمد يسأل:
- هل كان قويا ؟
تصاعدت همسته وهو يتثاقل في نعاس وأمه تجيب بنفس النبرة:
- كان قويا في هدوء ...شديدا في رقة...كان أشبه بملاك خير ورحمة على هذه الأرض المباركة ..
وتمددت بجوار محمد وهي تلاحظ من جديد فراشه القصير وفكرت بعمل راش جديد له غدا وفكرت فجأة أن تمنحه فراش والده الشهيد ونبهت حواسها عندما تذكرت هذا وتنقلت بها ذكرياتها هنا وهناك قبل أن ينتزعها النعاس من هذه الذكريات متجها بها نحو ظلمة الفراغ الهائل الذي تلمع فيه النجوم وتسكنه الكواكب وروحها تجوب الفضاء بسرعة خرجت عن حدود الزمان والمكان ليقابلها الوجه الحسن تحيط به هالة من نور وترتسم عليه ابتسامة ملائكية ...رددت في شوق :
- عبدالله !!
واحست بدموع عجيبة تسيل من عينيها لا طعم لها ولا ملمس وهمست :
- ابننا محمد كبر يا عبدالله .
فربت على كتفها بحنان ثم امسك بيديها وهو يقول مواسيا :
- بارك الله فيكما وحفظكما يا حبيبيَ قريبا سنكون معا في بيت واحد ...
فنظرت الى النور المحيط بهما وهي تسأل في حرقة:
- متى؟...متى يا شقيق القلب؟
فشعرت بيداهما تتباعد وصوته يبتعد شيئا فشيئا وهو يقول:
- امنحيه فراشي...امنحيه فراشي...
فمدت يدها محاولة الامساك به دون جدوى وهو يبتعد مكررا نفس العبارة :
- امنحيه فراشي...
وفتحت عينيها لتفيق من هذه الرؤية النورانية فيقابل أذنيها صوت أذان الفجر وهو يعلو ليهز الكون رهبة ...ويتردد صداه بين الأرجاء...
يتبع...