تاريخ النشر: 2019-05-26 | 12:45
تاريخ النشر: 2019-05-26 | 12:45
في تقديري، بسبب الظروف السياسية والثقافة السائدة في المنطقة، فإن هناك الكثير من المهتمين بما يسمى مسألة التراث، ولاسباب مختلفة، معظمها أسباب سياسية وليست ثقافية، أي أن معظم هؤلاء لا يتعاطون مع الموضوع من باب البحث العلمي المجرد، ولكن من زاوية رؤيتهم السياسية الاجتماعية.
في الحقيقة، ان طريقة تفكير هؤلاء الذين يستدعون التراث، بهدف استخدامه أو بادعاء مراجعته وتنقيته، وهذا في حد ذاته استخدام بشكل آخر، ان هذه الطريقة في التفكير تشكل خطرا حقيقيا على الثقافة والمجتمع من زاوية أنها، اولا تثير قضايا "بايتة"، المجتمع في غنى عنها، وثانيا تخلق وهما أن هذا هو طريق الخلاص والتقدم، وثالثا وهو الاهم تحرف المجتمع عن أولوياته، فالمجتمع لديه آلاف المشاكل التي هو بحاجة إلى التفكير ووضع الحلول لها، وهذا الاستدعاء للتراث ليس منها أو على الأقل ليس له الأولوية، لا في الطرح ولا في الحل.
الأخطر، أن هذا الاستدعاء السياسي للتراث يؤدي الى تقسيم المجتمع على أسس مذهبية وطائفية، في المجتمعات التي لم تكن يوما تعاني من هذا التقسيم، وتعمق هذه النظرة في المجتمعات التي تعيش المذاهب والطوائف متجاورة مع بعضها في استقرار وأمان. ان هذه المجتمعات هي في غنى عن هذا التقسيم الجديد، وما يطرحه من مخاوف ومخاطر حقيقية على بنية ووحدة المجتمع.
ان هذا الاستدعاء لا يلحظ في الغالب الفرق بين المجتمعات في المنطقة ويحاول أن يربطها قصرا مع بعضها البعض تحت مسمى "الأمة الاسلامية". ان المجتمعات في المنطقة تختلف عن بعضها البعض في بنيتها الاجتماعية ومستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة طبعا للظروف السياسية السائدة في هذه المجتمعات والتي يجب أن تلعب المحدد الاساسي لحركته الفكرية والثقافية، فلا يمكن النظر بنفس الطريقة للمجتمع العراقي مثلا الذي يعاني من مشكلة الطائفية والمذهبية، والمجتمع الفلسطيني الذي لا يعرف ذلك وينكوي ليل نهار بنار الاحتلال الإسرائيلي.
ان الهدف الحقيقي وراء استدعاء التراث هو تبرير النهج السياسي لهذا الفريق أو ذاك الفريق، لذلك تجدهم يستخدمون الثنائيات، علي بن أبي طالب مقابل معاوية ويزيد مقابل الحسين والوهابية مقابل آل البيت...... من الواضح أن هذا استدعاء سياسي وليس ثقافي يتم توظيفه كأداة في الصراع الإقليمي في المنطقة من أجل مصالح النفوذ السياسي والاقتصادي، دون الاهتمام بتأثير ذلك على واقع الشعوب ومستقبلها.
ان المتتبع لحركة هذا الاستدعاء للتراث وتوظيفه لابد وأن يلحظ بوضوح ان هذا الاستدعاء للاسف لم يقتصر على الجانب الثقافي، هذا اولا، بل يتطور ليأخذ أشكال عملية على الارض، يستطيع أي مراقب أن يلحظ نمو ترجماتها، الحزبية والشعبية على الارض، وتشابك علاقاتها الداخلية والخارجية، وهذا في حد ذاته ناقوس خطر بحاجة إلى مزيد من التدقيق والمتابعة والمراقبة لما قد يشكله من خطر مستقبلي حقيقي على وحدة واستقلال المجتمع.
أن استدعاء التراث لأي سبب كان هو المشكلة وليس الحل.
لا حل لنا من داخل هذا التراث، الحل بالعلم والقانون ووحدة المجتمع على أسس المواطنة والوطنية، لا على أسس مذهبية أو طائفية أو دينية.