تاريخ النشر: 2022-11-02 | 05:07
تاريخ النشر: 2022-11-02 | 05:07
لكن من المهم أن وعي أن وعد بلفور لم يأتي كقفزة في الهواء، أو كهدية عابرة من قبل مسؤول أوروبي لطائفة معينة، بل أتى نتيجة عمل امتد طوال 120سنة استخدم فيها يهود أوروبا مختلف أساليب الدهاء السياسي والاقتصادي لتحقيق حلمهم على حساب الفلسطينيين أصحاب الحق والأرض(13).
وفي 2 نوفمبر1917 وافق مجلس الوزراء البريطاني، برئاسة ديفد لويد جورج، على إصدار وعد بريطاني لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كُتب الوعد على صيغة رسالة من وزير الخارجية آرثر بلفور إلى اللورد الصهيوني ليونيل ولتر روتشيلد، باسم الحكومة البريطانية.
نص الوعد
وكانت الرسالة التي بعث بها وزير الخارجية البريطانية عام 1917 إلى اللورد روتشيلد أحد زعماء الحركة الصهيونية في تلك الفترة وعرفت فيما بعد باسم وعد بلفور، هي أول خطوة يتخذها الغرب لإقامة كيان لليهود على تراب فلسطين. وقد قطعت فيها الحكومة البريطانية تعهدا بإقامة دولة لليهود في فلسطين. وجاء في التعهد البريطاني (رسالة بلفور) التي أرسلها في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني سنة 1917. عزيزي اللورد روتشيلد
يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين،( النفاق البريطاني المعروف والمؤامرة على الشعب الفلسطيني تتحدث عن الانتقاص من الحقوق المدنية والدينية فيما هي تصادر وطنهم وحريتهم وتمنحها لمجموعة غازية، وتعتبر الفلسطينيين طوائف وليس الشعب الفلسطيني كما تعاملت مع المستجلبين الصهاينة قبل أن يطأوا فلسطين) ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى” ( التعهد البريطاني.. يعد الصهاينة الذين بقوا في أوطانهم الأوروبية بحقوقهم كمواطنين في البلدان الأخرى، في حين تجاهل عن عمد منح هذه الحقوق للشعب الفلسطيني صاحب الأرض منذ الأزل)(14).
عندما تتعهد الحكومة البريطانية لمن سمتهم، الشعب اليهودي، بينما تتجاهل الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والمقيم فيها، في حين أن الحقائق التاريخية تؤكد أنه لا يوجد ما يمكن تسميته " شعب يهودي" وهي حقائق أكدها مؤرخون وعلماء آثار يهود مقيمين في فلسطين المحتلة.
وهاهو المؤرخ البروفسور شلومو ساند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، يدحض مقولة( الشعب اليهودي) في كتابه "اختراع الشعب اليهودي" قائلا: إن الحديث عن شعب عاد إلى وطنه هي خرافة قومية فاقعة.
وهو يرى أن وصف اليهود كشعب مشرد ومعزول من المنفيين الذين "عاشوا في تنقل وترحال على امتداد الأيام والقارات ووصلوا إلى أقاصي الدنيا وفي نهاية المطاف استداروا مع ظهور الحركة الصهيونية كي يعودوا جماعياً إلى وطنهم الذي شردوا منه" ما هو إلاّ "خرافة"(15).
ويفند المؤرخ اليهودي ما وصفها بـ "خرافة الشعب اليهودي" بأن أرجع أصول ما يسمى بالشعب اليهودي إلى " شعوب متعددة اعتنقت اليهودية على مرّ التاريخ في أماكن شتى من حوض البحر الأبيض المتوسط والمناطق المجاورة، وإن هذا يشمل أيضاً يهود اليمن (بقايا مملكة حمير في شبه الجزيرة العربية التي اعتنقت اليهودية في القرن الرابع الميلادي) ويهود أوروبا الشرقية الإشكنازيين (وهم من بقايا مملكة الخزر البربرية التي اعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي)(16).
النظرة الميثولوجية ( الأسطورة)
وكي يكشف مكمن ذلك الزيف وتلك الخرافة التوراتية، يعود ساند في بحثه آلاف السنين إلى الوراء، ساعياً إلى إثبات أن الشعب اليهودي لم يكن أبداً "شعبا عرقيا" ذا أصل مشترك، وإنما هو خليط كبير ومتنوع لمجموعات بشرية تبنت خلال مراحل مختلفة من التاريخ الديانة اليهودية. وبحسب قوله فإن النظرة الميثولوجية( الأسطورة) إلى اليهود كشعب عريق أدّت بعدد من المفكرين الصهيونيين إلى تبني فكر عنصري تماماً.
فيما يدحض البروفيسور زئيف هرتسوغ بدوره ، عبر علم الآثار زيف ما يسمى الحق التاريخي "الإسرائيلي"(17).
ذاهبا إلى أبعد من مجرد دحض مقولات الشعب اليهودي وارتباط اليهود بفلسطين إلى التأكيد أن التوراة التي يتكئون عليها لاختراع شعب يهودي هي "ميثولوجيا، أي(أساطير) وتزوير للتاريخ. لأن (الحفريات تدحض خرافة الشعب اليهودي، وتؤكد أن لا تاريخ يهودي في فلسطين)(18).
ويكشف عالم الآثار البروفيسور زئيف هرتسوغ أنه "بعد سبعين عاما من الحفريات الأثرية المكثفة في أرض فلسطين، توصل علماء الآثار إلى استنتاج مخيف وهو أن: الأمر مختلق من الأساس. فأفعال الآباء هي مجرد أساطير شعبية، ونحن لم نهاجر لمصر ولم نُرحّل من هناك. ولم نحتل هذه البلاد وليس هناك أي ذكر لامبراطورية داوود وسليمان، والباحثون والمختصون يعرفون هذه الوقائع منذ وقت طويل، ولكن المجتمع لا يعرف(19).
ومن ثم فإن السؤال ماذا تبقى من هذه الخرافة إذا كان مصدرها هو التوراة كونها الأساس الفكري لإقامة الكيان الصهيوني بجعله من مجرد كتاب ديني إلى برنامج عمل وكمصدر للتاريخ للادعاء بالحق التاريخي في فلسطين، في حين أن أغلبية الباحثين في هذا الحقل ترى في هذا الكتاب مجرد أساطير لا يمكن الاستناد إليها.
لا في كتابة التاريخ القديم لفلسطين، ولا في منح الحق لليهود في فلسطين(20). وقال البروفيسور زئيف شيف بصفته ابن للشعب اليهودي، وكتلميذ للمدرسة التوراتية، إنني أدرك عمق الإحباط النابع من الفجوة بين التوقعات وإثبات التوراة كمصدر تاريخي وبين الوقائع المكتشفة على الأرض(21).
ويكشف المؤرخ اليهودي أن التوراة "اختُلق" في أيام النفي البابلي، ذلك أن الحفريات في فلسطين لم تكتشف أي شهادة يمكن أن تؤكد هذا التسلسل التاريخي. بل إن الاكتشافات الكثيرة تقوض المصداقية التاريخية للوصف التوراتي.
التمكين البريطاني للصهاينة
بدايةً، يجب الإشارة إلى أهمية وعد بلفور بالنسبة لليهود، فوفق أكثر الاستفتاءات سخاءً مع الصهيونية، كان عدد اليهود في فلسطين في سنة 1922 نحو 83,000 نسمة، أي أنهم شكلوا 11¬% من سكان فلسطين، إلاّ إن عددهم وصل في سنة 1947 عشية قرار التقسيم إلى ما يقارب 650,000 نسمة، أي ما يعادل ثلث سكان فلسطين(22).
ويفضح هذه الفرق في عدد الصهاينة المستجلبين بين عام 1922 مع بدء الانتداب البريطاني وعام 1947 عملية التمكين التي مارستها دولة الانتداب ضد الشعب الفلسطيني وبالتالي، يتبيّن أن خلال الفترة السابقة كلها لوعد بلفور، هاجر إلى فلسطين بعض عشرات الآلاف فقط (شكلوا مع يهود فلسطين الأصليين قبل بداية الهجرة ما مجموعه 83,000 مثلما ذكرنا أعلاه)، في حين أن عدد المهاجرين اليهود زاد بنحو 600,000 مهاجر خلال العقود الثلاثة من الوجود البريطاني. وهذا بطبيعة الحال يدل على أهمية الدور البريطاني في إنشاء «الوطن القومي اليهودي» تنفيذاً لوعد بلفور الذي لم يكن مجرد تعبير عن تعاطف دولة عظمى مع فكرة الوطن القومي، وإنما تَحَوَل، مثلما نعلم، إلى وثيقة رسمية دولية تبنّتها عصبة الأمم عندما أقرّت صك الانتداب على فلسطين. ونتيجة توكيل الانتداب إلى بريطانيا، تحول الوعد من وثيقة دولية تتمتع بالإجماع الدولي في تلك الفترة إلى سياسة رسمية تنفذها دولة يسيطر جيشها على فلسطين(23).
الدور البريطاني في إنشاء «الوطن القومي اليهودي» تنفيذاً لوعد بلفور الذي لم يكن مجرد تعبير عن تعاطف دولة عظمى مع فكرة الوطن القومي، وإنما تحول، مثلما نعلم، إلى وثيقة رسمية دولية تبنّتها عصبة الأمم عندما أقرّت صك الانتداب على فلسطين. ونتيجة توكيل الانتداب إلى بريطانيا، تحول الوعد من وثيقة دولية تتمتع بالإجماع الدولي في تلك الفترة إلى سياسة رسمية تنفذها دولة يسيطر جيشها على فلسطين.
من أهم التغييرات التي أدخلها البريطانيون كي يسهّلوا عملية إنشاء وطن قومي تلك التي تتعلق بقوانين الهجرة وملكية الأراضي، فتمكّن المهاجرون اليهود من الوصول إلى فلسطين بدايةً، ثم تمكنوا من اقتناء الأراضي والاستيطان فيها.
وبدأ الاستيطان اليهودي والاستيلاء على الأراضي وتغيير ملامحها، واندلعت الثورة الفلسطينية عام 1936 وسحقها البريطانيون بوحشية، وبدأت الشكوك تحوم حول إمكانية نجاح المشروع الصهيوني وقيام دولة إسرائيل(24).
وقد اختارت بريطانيا لهذا الغرض مندوبها السامي الأول هربرت صامويل، من أصل يهودي وذا ميول صهيونية واضحة. فمباشرة بعد توليه المنصب، قام بإجراءات توحي بأن البلد ثنائي القومية، وكان على رأس هذه التغييرات الاعتراف الرسمي بالمؤسسات التمثيلية اليهودية مثل المنظمة الصهيونية العالمية، وما بات يُعرف لاحقاً باسم الوكالة اليهودية، بصفتهما ممثلين شرعيين ووحيدين، لا لليهود في فلسطين فحسب (وذلك ضمن البند 4 لصك الانتداب نفسه)، بل كممثلين لليهود ولمصالحهم أينما يكونوا، أي باعتبارهم ممثلين لأمة كونية فوق الجغرافيا. وقد يصح القول في هذه الحالة إن اليهود قبل أن يكونوا شعباً، كان لهم ممثلون معترف بهم على اعتبار أنهم شعب، أي أن التعامل معهم كأنهم شعب، حوّلهم فعلاً إلى شعب.
ممّا لا شك فيه أن المشروع الصهيوني لم يكن من الممكن أن يتحول من مجرد حلم يراود هيرتسل إلى مشروع عمل وبرنامج سياسي لولا تدخّل الدول الكبرى، وأساساً بريطانيا. الحرب الكونية الأولى منحت اليهود وعد بلفور، والحرب الكونية الثانية ستحوّل الوعد إلى حقيقة. وهكذا كانت الصهيونية تتواطأ مع «أعدائها» منذ البداية(25).
الوجود المؤقت
ذلك هو أحد أوجه الصورة ضمن وعد بلفور ونتائجه، أما الوجه الآخر للمشهد فخلاصته تقول، أنه بعد 104 سنوات من وعد بلفور و124 سنة من المؤتمر الصهيوني الذي عقد في بازل، فإننا نؤكد أن الكيان الصهيوني يعيش مأزقا وجوديا، كون أصحاب الأرض ما يزالون هم الثابت المستمر، فيما المتغير الذي اقتربت نهايته هو هذا الكيان الكولنيالي(الهيمنة والسيطرة) العنصري
==============
المصادر
13- علاء البرغوثي، خيوط المؤامرة من نابليون إلى بلفور، 3/11/2016، https://www.aljazeera.net/
14- نفس المصدر السابق.
15- نفس المصدر السابق.
16- رائف زريق، إسرائيل: خلفية أيديولوجية وتاريخية، 18/6/2020، https://www.palestine-studies.org
17- https://mawdoo3.com
18- شمس الدين الكيلاني، ثلاثية شلومو ساند: في حال إسرائيل: التاريخ والمصير، 16/10/2020، https://www.arab48.com/
19- د.صالح حسين الرقب، المرتكزات العقائدية للصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية، 26/04/2018، https://www.drsregeb.com/
20- المصدر السابق ذكره
21- رائف زريق، مصدر سبق ذكره.
22- الصهيونية.. رحلة إقامة دولة يهودية، 29/5/2016، ttps://www.aljazeera.net/
23- د. غازي حسين، المشروع الصهيوني إلى أين !، 9/8/2014، https://kanaanonline.org
24- المصدر السابق ذكره.0
25- علاء البرغوثي، مصدر سبق ذكره.