تاريخ النشر: 2017-02-03 | 00:29
تاريخ النشر: 2017-02-03 | 00:29
وقتٌ بين الرمادِ والورد
في البدء تكون البذرةُ ، يكون الريح ، يكون المطر
تصبح الأرض حبلى بالسرّ وبالآتي ، ثم يكون الأخضر
قد تتغير بعض ملامحِ وجهِكِ ، تخبو لألأةُ التَوْق ويأتي وهجُ الضّجرِ ، يزيدُ مرارةَ قهوتِكِ لكنّي أدمنتُ شرابَكِ و غيابَكِ ، لاشيءَ جديد
أو قد تستدرجينَ الصحوةَ تُبقِي قمرَكِ يترقبُ هاجسَ موتي كي يواسيكِ ويَبْكيني
وقتٌ آخرُ، طقسٌ آخرُ، موتٌ آخر
لا شيء جديد
لكنّ الآتي يتوسّمُ في همّكِ فرحاً ، يترقبُ لحظةَ مَدٍّ أو هبَةَ إعصارٍ أو قُبلةَ بعثٍ تُسرِجُ قنديلَكِ فيضيءْ
طوبى للآتي حين يجيء
طوبى للرابض فوق تلال الصمت ، صقيعاً وحريقاً و رمالاُ ، يكتبُ تاريخاً ، ويدوّن سِفْراً في ذاكرة اليابسِ و الأخضرَ، يرسم فوق الرمل طريقاً ، يتسلل خلف خطوط السُّخْطِ ، ليشدو
يا ظريف الطول
يأتي الصوتُ وأبصر وجهكِ
تختلط الألوان و يرتعش الطيف
لكنك أنتِ ، وأنتِ الأسطورةُ و البدءُ وسِرُّ السّر
من يحمل غيرك قهر الكون وكون القهر
في أحشائك يمتدّ الجذر قوياً ..يتشعّب ، يضرب فيك الحلم الوريّ يعانق فيك الماضي و الآتي و يذيب بداخلك اللحظة
منك يجيءالأمل ، الألم ، الزمن الميلاد، الجرح ، الوعد ..وأشهد أنّي حين تنازعني وقتان ، زمنُ القحطِ وزمنُ الأخضر ، كنتِ الوردةَ ، كنتِ السنبلة ، حملتك قنديلا و سحابة و صليباً و قصيدةَ عشقٍ تؤلمني ، تأخذني دون تَرَفُّق نحو الغَوْرِ أو الذُرْوةِ
أفتقِدُكِ ، هل قدري أن أتشبّثَ بمُحال !
هل يمنحني الربُّ دموعاً تمسحُ جُرْمَ الحال ؟
الحقَّ ، الحقَّ ..أتاني الربُّ ،تخلل ذاتي ، قال يكون ، وكان الوعدُ، وكان الآتي، يعبر قطر الأرض من النهر إلى البحر ، ويحمل مشعله دِفئاً ورغيفاً للفقراء ، يُسائلُ هَتْفَ الريح :
من يُسكت هذي الأمواج ، ويضرب بعصاه البحر ؟
من يوقف صخب الكون و طقس القَسوه ؟
( يأتي وقت بين الرماد والورد
ينطفىء فيه كلّ شيء
يبدأ فيه كلّ شيء)
هذا زمن يتأرجح فيه المنفى ، ما بين المنفى و المنفى ، يصبح عبثاً أن أستبدل أغصانك بالكون الضيّقِ ، قد يستبدلني منفاي فأرحل نحوكِ ، أدنو منكِ .. فإنّي حين تضيق الأرضُ أذوب بزرقة عينيكِ .. أغادر هذا الكونَ إلى دنياكِ .
هذا زمن الشدّ، و زمن الموت من التخمة و الغثيان ومن سَوْط الفاقةِ ، زمنٌ بين الرماد و بين الورد
أنا قتلتني اليَقَظَة، أعماني الوجد
يا هذي الأرض المحترقة حباً ، والمأهولة بالحقد
إني أهواك و أعشق غربتك وموتك
أعشق وجدَك وعذاباتِك ، أعشق هذا المتكوّرَ في أحشائك ، أعشق ميلادي و مخاضَك
وأغنيكِ موّالاً للأبديّه.
القاهرة 1986