في عهد رسولنا الكريم (عليه ألف صلاةٍ وتسليم) وقبل هجرته الميمونة من مكة إلى المدينة، وقد كان يوجد بها اليهود وأكبر قبائلهم بنو قينقاع والنضير وقريظة مجاورين لسكانها من العرب اليمانيين: الأوس والخزرج، وكانت لليهود تجارة وسيطرة مالية رِبوية.. فكان العرب ومن أجل مصالحهم التجارية وغيرها يعقدون معهم الأحلاف، حيث حالفت الأوس ومن كبرائها(سعد بن معاذ) بني قريظة، أما الخزرج وعلى رأسها عبد الله بن أُبيّ بن سلول وسعد بن عبادة فقد حالفت بني قينقاع وبني النضير، بل كان من قريش من له صلة صداقة وتعاون مع (حُييّ بن أخطب) كبير بني النضير أيضاً من أجل هذه المصالح التجارية؛ حيث تفع المدينة(يثرب) على طريق تجارتهم إلى الشام.. حتى تطورت هذه المصالح ليستغلها الطرفان في التصدي للرسول (صلى الله عليه وسلم) ومحاولة إحباط دعوته إلى دين الله الإسلام! وقصة نقض بني قريظة العهد مع رسول الله بالمدينة أثناء غزوة الأحزاب، وبالاتفاق مع المعتدين من قريش معروفة، وحيث انتهت بأن يحكم فيهم سابق حليفهم (سعد بن معاذ) بحكم السماء لمن يخون وينقض العهد: القتل للرجال والسبي للنساء والأولاد. ويدور الزمان دورته لتعود أعقاب قريظة والنضير أو هكذا لتُردّ لهم الكرة ـ كما أنبأ الله تعالى بذلك وقدّر في كتابه العزيزـ فيتمركزوا في فلسطين هذه المرة، ويهجّروا سكانها ويصادروا أراضيهم، ويسيطروا باقتصادهم على المنطقة، بل يمتد إخطبوطهم إلى مرابع أعرابنا الذين راحوا يهرولون للاعتراف بدولتهم وتطبيع العلاقة معها! بل يكاد البعض منهم أن يعقد حلفاً معهم تحت هدف ما يسمونه بالحرب على الإرهاب! ولا نذهب بعيداً.. أوليس التنسيق الأمني لسلطتنا الوطنية معهم من أجل ملاحقة المجاهدين وإحباط أية انتفاضة شعبية ـ وهو الأمر المشروع ضد المحتل الغاصب ـ إلا ضرباً من ضروب التحالف والأحلاف؛ مهما كان المبرر ومهما اضطرّ الواقع طلاب السلام والاستسلام على حساب الحق الضائع، وتكريساً لاستمرار الاعتقال والتعذيب لأبناء شعبنا؟ أم أنّ التاريخ يعيد نفسه لتعيد قريش تحالفها مع بني قريظة والنضير وزعيمها (نتنياهو بن أخطب) و(ليبرمان بن مشكم) ؟ إذن فلتعُد الهجرة الميمونة إلى الله.. وليهاجر حملة الإسلام المؤمنون المخلصون إلى الأرض التي بارك الله حولها فيحرروها ويطردوا الأغراب عنها.. وإلى رحبات الأقصى فيطهروها من دنس بساطير جنودهم .. إلى خليل الرحمن فيعتقوها من مداهمة أولئك بيوتها واعتقال رجالها وسرقة ونهب حليّ نسائها! نعم لنعلنها هجرةً جديدة على نسق هجرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومن آزره من المؤمنين الصادقين الذين صبروا وصابروا معه وضحّوا بأرواحهم وأموالهم حتى نصر الله الدين وقامت دولته تنشر العدل في ربوع ما فتحت من أقطار الأرض، وتقيم حدود الشرع على القويّ والضعيف بلا تمييز ولا ترخيص!
ولتعدْ انتفاضة شعبنا لتذيق الجنود المتسللين إلى أرضنا وديارنا طعم الحجارة التي تدمي الوجوه القبيحة، وتجدع الأنوف المتعالية، وتقلع العيون الزائغة.. فيتراجع المحتل البغيض وينسحب من أرض الضفة والأقصى صاغراً كما انسحب من ربوع غزة الصابرة الصامدة! إنها انتفاضة الشعب التي لا يردها قرار رئيس، ولا تخيف فارسها دبابة مختبئٍ فيها، ولا يجهضها تفاوض استسلام ولا يغرّها سياسة كلام.. وما أصدق ما قال الشاعر: إذا لم يكن إلا الأسنّةُ مركباً ** فما حيلة المضطرِّ إلا ركوبُها! وقول الآخر: وإذا لم يكن من الموت بدٌّ ** فمن العار أن تموتَ جبانا!
ــــــــــــــــــــ