تاريخ النشر: 2016-12-30 | 12:01
تاريخ النشر: 2016-12-30 | 12:01
وكأن لم يكن باقيا من حالة التردي العربي الراهن، سوي أن ينهش الموتورون في سمعة بلد ودبلوماسيته العريقة، ويشككون في توجهات الدولة المصرية، كما لو كان المخطط الموضوع لهؤلاء أن يمضي في طريقه مشوها كل ما هو من شأنه أن يكون من ثوابت تلك الأمة المنكوبة بما يجري علي أرضها.
فما حدث في الأيام الأخيرة من ردود فعل على تصويت مجلس الأمن، علي مشروع قرار ضد الاستيطان الإسرائيلي، يستحق وقفة جادة بعد إثارة لغط مصطنع علي شبكات التواصل الاجتماعي، وعلي شاشات قنوات فضائية معروفة باستهداف السياسة المصرية علي طول الخط من دول «مُحدثة» في مناصرة القضية الفلسطينية كل رصيدها أنها تستغل القضية من باب الوجاهة لمن يملك حفنة من المال ويريد أن يقدم نفسه أمام الرأي العام العربي في صورة المخلص لقضية الشعب الفلسطيني، بينما البلد الذي ضحي بشبابه في حروب متتالية، وتكبد خسائر اقتصادية تؤثر عليه حتي يومنا هذا، تصب عليه اللعنات والشتائم من جهات إعلامية مشبوهة وبتخطيط مدروس، لتشويه صورة مصر وقيادتها السياسية أمام العالم، كما لو كانت مصر لم تضح، وكما لو كانت مصر لم تدفع فاتورة وضع قضية الشعب الفلسطيني علي أولوية اهتماماتها، قبل ظهور دول تدعي اليوم نضالا مزيفا «ديكوريا» لتجميل صورتها القبيحة.
ما يستحق التوقف أيضا هو دور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر صورة نمطية عما جري، تقول إن مصر تشتري مصالح خاصة علي حساب القضية الفلسطينية، وإن القيادة المصرية غير مؤتمنة علي التعامل مع مستقبل القضية الفلسطينية. وتم التقاط الخيط في عواصم تعاني المراهقة السياسية، وراحت توجه ماكينات الدعاية السلبية والإعلام المأجور ضد مصر وتضخم من خطوة سحب القرار في جرأة فجة. ومشكلة مواقع التواصل والتكثيف الإعلامي الهابط أنه يجذب إليه قطاعات من الرأي العام، ممن تدفعهم القراءة المجتزئة للأحداث لتبني مواقف حماسية وحادة في بداية الأمر ثم يتحول الأمر، إلي التعقل والفهم عندما تطرح الحقائق ويقول المنصفون كلمتهم، إن العلاقات الدولية ليست «لعبة صفرية» نحقق فيها نصرا كاملا علي حساب أطراف أخري، ولكنها تنطوي علي كثير من المناورة والمؤامرات التي تصل بنا إلي الهدف المطلوب بأقل خسائر ممكنة.
في كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام مؤتمر إعادة إعمار غزة (12/10/2014) تطرق الرئيس إلي من يستغلون القضية الفلسطينية مطية لأهدافهم زيفا وبهتانا، حيث قال بوضوح موجها حديثه للمجتمع الدولي والعالم العربي: »لا بديل عن هذه التسوية حتي يتسني للشعب الفلسطيني التفرغ للبناء دون أن يخشي تدمير ما بناه بسواعده ودعمكم. كما أنه لا يخفي عليكم أن استمرار حرمان الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة طالما وفر الذرائع، لمن يدعون الدفاع عنها، لزرع بذور الاستعداء والشقاق، ولاختلاق المحاور، ولمحاولة فرض الوصاية علي شعب فلسطين الشقيق بدعوي دعمه لتحقيق تطلعاته. وبالتالي، فإن علينا أن نعمل لكي نحرم كل هؤلاء من فرصة استغلال معاناة الشعب الفلسطيني لتحقيق أغراضهم، وفي ذات الوقت لنؤكد تمسكنا بالقيم والمباديء الإنسانية وبالقانون والشرعية الدولية التي نتمسك جميعا بها«... وفي كلمته في أسيوط في مايو الماضي وكذلك في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي دعا الرئيس إلي إحياء عملية السلام وإلي المصالحة الفلسطينية.
إذن »الاستعداء.. الشقاق.. اختلاق المحاور«.. هي الاستراتيجية التي يتبناها البعض من أجل الوصول إلي أهدافه، لاستكمال سيناريو تمزيق الأمة العربية إربا وإفقاد الشعب العربي الثقة في الدولة، التي تمثل بوصلة القيادة التاريخية للقضايا القومية، فهذا هو واحد من الأهداف التي يروجون لها بوقاحة منقطعة النظير!... وللأسف، هناك منابر إعلامية تحقق الهدف من تطبيق »استراتيجية الإستعداء« ضد مصر لاستكمال مخطط »الشقاق« ومن ثم »اختلاق المحاور« التي تفيد مصالح أطراف خارج منظومة العمل العربي المشترك، بينما مصر لا تريد أن يستمر السيناريو السابق دون أن يعي الرأي العام العربي خطورة ما يجري، ولا تريد أن يدفع الفلسطينيون ثمنا لتلك اللعبة الوقحة!
كان بديهياً أن تصوت مصر لصالح مشروع القرار، بعد أن قامت بالتوافق مع المجموعة العربية علي إعداد المشروع ثم دفعت به إلي رئاسة مجلس الأمن للتصويت ثم أجلت طرح مشروع القرار إلي وقت لاحق، حفاظاً علي فرصة طرحه من جديد ومنعا لخطوات مضادة تقضي علي فرصه، خاصة أن القرار سيضاف إلي تلال القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية التي لا تنفذ.. كما أن الاستيطان أساسا وفقا للقانون الدولي جريمة ضد الانسانية!.. علاوة علي أن هناك رئيسا أمريكيا جديدا، نحتاج في التعامل معه إلي أوراق سياسية تصب في مصلحة الشعب الفسطيني.. وقد جاء تحرك دول صديقة لتبني مشروع القرار نفسه وطرحته من جديد ووقفت مصر معها في مسعاها، لأنها لا يمكنها التخاذل عن نصرة الشعب الفلسطيني ولم تتخل عنه يوماً... لقد وصفت أطراف فلسطينية ما حدث في مجلس الأمن من امتناع الولايات المتحدة عن التصويت بأنه يشكل »مفاجأة كاملة« ولولا اقتراب مغادرة باراك أوباما للبيت الأبيض، لما تجرأ علي توجيه بعثته في الأمم المتحدة بالتغيب عن التصويت للمرة الأولي ليخرج القرار 2334 متأخرا كثيرا بعد أن طوقت إسرائيل القدس والضفة الغربية بالمستوطنات.
إن البحث عن بطولة في اللحظة الأخيرة لم يدخل علي الغالبية في المجتمع الدولي ولو كان موقف أوباما أصيلا ومدافعا عن حقوق الفلسطينيين عن اقتناع بإدانة الاستيطان، لشارك في التصويت الإيجابي لمصلحة القرار مع الدول الــ 14 التي وافقت عليه.
>>>>
تقرير جولدستون وتخوين السلطة الفلسطينية
.. وإلي من يستعدون مصر، وغالبيتهم لا علاقة لهم بالفلسطينيين ولا علاقة لهم بالنضال، إليكم مثال من الماضي القريب جدا:
في نوفمبر من عام 2009، أثار تقرير دولي، أعده القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد جولدستون عن جرائم الحرب الإسرائيلية علي غزة (575 صفحة) جدلا واسعا في الأوساط الفلسطينية، بسبب توجيه أصابع الإتهام للسلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس لتأجيل التصويت علي مضمون التقرير في مجلس حقوق الإنسان الدولي. فقد كان المجلس التابع للأمم المتحدة، شكل لجنة من أربعة خبراء برئاسة جولدستون تقوم بمهمة تقصي حقائق حول حرب غزة (27 ديسمبر 2008 - 18 يناير 2009) بناء علي قرار للمجلس في 12 يناير 2009.
يومها شنت أطراف فلسطينية، علي رأسها حركة حماس، حملة تخوين ضد الرئيس أبو مازن واتهمته بالتفريط في دم الشهداء، وحولت الأمر إلي حرب علي الرئيس الفلسطيني بدلا من مواجهة إسرائيل.... بينما كانت الاتهامات تتضمن الخضوع لضغوط من الولايات المتحدة وإسرائيل.. ولفت محللون الأنظار إلي قسوة الألفاظ، التي استخدمتها حركة حماس في محاولة لتحقيق مكاسب سياسية علي حساب السلطة الفلسطينية قبل أن ترفض حماس مضمون التقرير وقالت إنه يساوي ما بين «الجلاد» و«الضحية» بينما رحبت الرئاسة الفلسطينية بالتقرير وطالبت عشرات المنظمات الفلسطينية في أوروبا بعزل عباس والتحقيق معه أمام لجنة حقوقية عربية مستقلة!
لقد حمل التقرير اتهامات لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وأيضا حمل حركة حماس مسئولية في الحرب الإسرائيلية علي قطاع غزة.. بدعوي أن إسرائيل ضربت مدارس أطفال استخدمتها حماس منصات (دروع بشرية) لإطلاق صواريخها.. وقال ريتشارد فولك مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة أن «ما ولده التقرير من ضجة وغضب، يثير تساؤلات خاصة بشأن إمكانية تنفيذ توصياته الرئيسية من جانب الحكومات، أو من جانب مبادرات من الأمم المتحدة وبشكل أقل من جانب المحكمة الجنائية الدولية، مما يثير تساؤلات بشأن مدي قدرة القانون الدولي ونظام الأمم المتحدة علي حماية حقوق الضعفاء، في ظل وجود دولة معتدية تتمتع بحماية القوي الجيوسياسية وتعتمد عليها في حمايتها».
وبينما أصدر مجلس النواب الأمريكي قرارا يطالب إدارة أوباما ــ الحريصة الآن قبل أن تودع البيت الأبيض علي الشعب الفلسطينى ــ باستخدام صلاحيات الحكومة الأمريكية لمنع اعتماد التقرير، وسد الطريق أمام تنفيذ توصياته وفي الوقت نفسه أصيب الجانب العربي في الأمم المتحدة بالذهول من الاعلان عن اتصال الرئيس عباس بممثل السلطة الفلسطينية في المنظمة الدولية، وطلبه منه تأجيل بحث التقرير في مجلس حقوق الإنسان بينما قالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية إن إسرائيل توصلت مع السلطة إلي تفاهمات سرية وهادئة حول طلب عدم التصويت علي التقرير... وكان من نتائج ذلك تراجع جولدستون عما ورد في تقريره بشأن إسرائيل وإرتكابها جرائم حرب في إبريل من عام 2011.
>>>>
من واقعة تقرير جولدستون الذي ذهب مع الريح، نجد أن الأطراف الفلسطينية مارست لعبة التخوين علي نطاق واسع بين بعضها البعض، في ظل مؤشرات علي مناورات ومؤامرات في كواليس الأمم المتحدة والعواصم المعنية بالرغم من أن المسألة كانت متصلة بحماية الشعب الفلسطيني والجرائم ضد المدنيين... الأمر الثاني، أن كل الاتهامات تبخرت ونسيت الأطراف التي شاركت فيها التقرير ومن أصدره وما حدث في غزة من الأساس، ولم نعد نسمع تلك الأصوات الزاعقة تثير مسألة التقرير مجدداً، مما يدل علي أن التوظيف السياسي وليس رفع المعاناة عن الفلسطينيين كان هو المحرك لكل تلك الضجة مثلما هو الحال الأن الأمر الثالث، أن مصر عندما أجلت طرح مشروع القرار كانت تعلم من خبرات المنظمة الدولية أن كثيرا من القرارات هي «حبر علي ورق» وأن تدبر كل جوانب مثل تلك القرارات أمر واجب قبل الاضرار بالمصالح الوطنية والقومية، فالعنترية في القرارات الدولية لا تغني ولا تسمن مثلما حدث في حالة جولدستون... الأمر الرابع، أن الموقف المتهافت للأطراف العربية بالاندفاع للاستفادة من موقف »طاريء« للرئيس الأمريكي أوباما يعكس حالة من بؤس السياسات العربية التي ترضي بقشور السياسة الأمريكية وبالمواقف اللحظية، ولا يعنيهم بناء استراتيجية أكثر عمقا للتعامل مع قضايا مثل الإستيطان في الأراضي المحتلة.
تلك عينة من مواقف مضطربة ….
>>>>
مصر في النهاية لن تدفع أثماناً بأي حال من الأحوال لمراهقات الإعلام والسياسة العربية، التي يديرها هواة في عواصم معروفة، ويعتقدون أنهم، يمكنهم الانتقاص من قيمة بلد بحجم مصر.
مصر تعلمت ألا تندفع في اتجاهات يمليها الغير، وهي تملك رصيدا وخبرة يعينانها في الأوقات الصعبة.
عن الاهرام