تاريخ النشر: 2016-07-22 | 14:25
تاريخ النشر: 2016-07-22 | 14:25
-1-
نهديء من روع البحر وتلاطم أمواجه المنكسرة عند أقدامنا العارية المبللة, ونهدهد له بالغناء بصوت جماعي "هدي يا بحر هدي طولنا في غيبتنا**** ودي سلامي ودي للارض اللي ربتنا
وسلملي على الزيتونه****على اهلي اللي ربون", وتغرورق عيني البعض منا ان لم يكن اكثرنا بالدمع الجاف ونحن نتابع غناء المقطع التالي "وبعدا امي الحنوني بتشمشم بمخدتنا..وسلم سلم على بلادي تربة بَي وجدادي ...وبعدوا العصفور الشادي بغرد لعودتنا ....وخدي سلامي يا نجوم ....عالبيادر والكروم...وبعدا الفراشه بتحوم عم تستنظر عودتنا.", ونتذكر اصدقائنا في فلسطين وبلاد الشتات ونحن ننشد "واحمل لبلادي سلام**** لخوالي ولكل العمام ...وبعدوا زغلول الحمام عشوا على توتتنا", وتهدأ مكامن النفوس وآلام الشعور بالتقاعس والشعور بعقدة التقصير لتحل محلها نزق الثوار وان لنا شرف المحاولة, وننشد بصوت جماعي جهوري يعانق السماء الصافية في ليلة مقمرة من ليالي الصيف الصافية.."وعهد الله وعهد الثوار ما بنسى حقك يا دار ..ومهما طولنا المشوار راجعلك يا ديرتنا" ويسكننا شعور غريب ان صوتنا يصل الى فلسطين مباشرة دون الحاجة الى أي وسيلة اتصال فنحن نجلس على شاطيء البحر الابيض المتوسط وامتداد لشواطيء الوطن يافا وعكا وحيفا والمجدل وغزة ولكن في معسكر"جودايم" بالعاصمة الليبية طرابلس.
-2-
"مراون كيالي" كان يصر على ان يرافقنا الغناء بالعزف على القربة (آلة موسيقية هوائية تعزف عن طريق النفخ), وهو اسم حركي تيمنا بالشهيد مروان كيالي يافاوي الاب لبناني الام حقوقي الدراسة الجامعية واحد كبار قادة كتيبة الجرمق الطلابية, ومن مؤسسي"قطاع الغربي" ذراع العمل العسكري في الارض المحتلة الى جانب الشهيدين محمد حسن بحيص (ابو حسن قاسم) محمد باسم سلطان التميمي(حمدي) والذين اغتالهم الموساد الإسرائيلي بعبوة ناسفة شديدة الانفجار وضعت اسفل سيارة كان تقل الثلاثة بقبرص بجذوة الانتفاضة الاولى وتحديدا عام 1988.
واغلبنا انذاك كنا نحمل اسماء حركية تيمنا بالشهداء والقادة, وكنا خليطا من ابعد من فلسطين ومن جاء قسرا من لبنان وسوريا بعد خروج المقاومة من لبنان ومن تطوع من الاردن والكويت وشاب حنطي البشرة ترك رغد العيش مع أهله في سلطنة عمان ليتطوع في الثورة الفلسطينية.
والمفارقة آنذاك ان جزء من أشقاءنا في "الجماهيرية العربية الليبية الاشتراكية العظمى" اسم ليبيا انذاك, كانوا يخلطون بين ياسر عرفات وابو عمار منهم من يحب ابو عمار ويكره ياسر عرفات ولكنهم تعاملوا مع الشهيد "خليل الوزير/ابو جهاد" من خلال ما يسمى آنذاك القيادة القومية الليبية , وكنا نحظى بدعم وتقديم التسهيلات التدريب والمعسكرات الخاصة بنا. فيما بعد تحسنت العلاقات بين الرئيسين الراحلين ابو عمار والعقيد معمر القذافي. وكان الأخ القائد محمد المدني المفعم بالنشاط والحيوية مسؤولنا المباشر و الساحة الليبية.
-3-
بعد قرابة ثلاثة عقود وتحديد بعد 28 عام, وبحكم السن والوضع الاجتماعي أنني متزوج حصلت على تصريح "اذن دخول" من سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحت بند "احتياجات خاصة" لزيارة فلسطين المحتلة عام 1948, وبالمناسبة وبصراحة وبعيدا عن التنظير والإسقاط السياسي قد نكون الشعب الوحيد في العالم الذي يرغب قسرا جزء منه تقدم السن وسرعة وصوله لسن الستين او الخمس والخمسين ليتيح له الاحتلال الصلاة بالمسجد الاقصى. ويرغب ايضا قسرا جزء من الشباب العاطل عن العمل تغيير وضعه الاجتماعي في خانة الهوية "متزوج" وان يجتاز سن الثلاثين ليس رغبة في تكوين عائلة والاستقرار بل ليحصل على تصريح عمل سواء داخل الخط الاخضر او في المستوطنات.
وبما أنني وحيدا ولا اجيد السباحة وتقليدا للكتاب والشعراء والمثقفين جلست منزويا عن الناس اتامل أمواج شاطيء مدينة يافا المكتظة المحتلين والغرباء وبعض من بقي من اهلها او من بلغ من العمر عتيا وسمحت له الظروف باجترار حنينه وشوقه على شواطئ مدينة صباه المحتلة. انزويت طمعا بان افجر طاقة شعرية قد تكون مكبوتة او خاطرة نثرية تضعني بخانة الكتاب او المثقفين.
ومع تلاطم الأمواج وامتداد النظر في الأفق اللامتناهي لزرقة البحر البيض المتوسط اجتررت عنوة الماضي. وحضرت ذكريات معسكر "جودايم" ووجوه الشباب والاغنية التي كنا نرددها شوقا للارض والوطن حيث اقف. فهل ابعث سلاما لأرض احتضنتا لم تعد هي الأرض ولا جماهيرية ولا جمهوريات, بل مجموعات قبلية متناحرة "حفترية"اللواء حفتر" داعشية ثوار مصراتة ..الزنتان... ثوار 17 ابريل...طبرق..الجبل الغربي", وحتى الشباب اذكر وجوه وملامح البعض منهم من بقي او عاد الى حيث اتى او هاجر وقضى نحبه شهيدا او غريبا في مدن المنافي.
الاخ محمد المدني عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومكلف بلجنة التواصل مع المجتمع الاسرائيلي ومحاولة اختراق المجتمع الاسرائيلي وزيادة الاصوات المدنية الاسرائيلية المؤيدة لحل الدولتين وان نعيش كشعبين في دولتين بارض واحدة.
وانا هنا اقف على شاطيء مدينة تملكني حبها هي والقدس وعكا وصفد وقريتي ام الزينات في حيفا وغزة وكل ذرة من تراب فلسطين التاريخية و"الاوسلوية" اجتهدت كغيري في ان أترجم هذا الحب والشوق تضحية فداءا وأسرى وجرحى. وقفزت لذاكرتي فكرة صبيانية لماذا انزويت بعيدا
عن صخب اللحم الأنثوي المتناثر على الشاطئ, فقريحتي لم تجد شعرا ولم تقطر نثرا,...... وتذكرت انني لم احضر النظارة فبصري بدأ يضعف. وانه بعد سنتين او ثلاثة سأصلي بالأقصى الشريف بحكم السن. وان الأمل بالتجديد وتغير موازين الصراع واستمرار الثورة وفاءا لكل الدماء التي روت فلسطين هنا او في المنافي باق ويعتمر صدور الابناء.
تنويه الاغنية "هدي يا بحر" من روائع فرقة العاشقين ومن غناء أيقونة فلسطين الراحل"ابو عرب" وهي من أشعار مجنون بلقيس نزار القباني.