قتلوك يا آخر الأنبياء قتلوك... رموك في نار الحصار حتى احترقت...
عَشرٌ عجاف من السنين... يغيب فيها القائد الرمز... ويغيب فيها بريق الوطن المحاصر... تمر السنين بتثاقل وكأن عقارب الزمن تأبى التحرك للأمام... شيء بل أشياء خفية تجرنا إلى الوراء... مساحات الزمن البعيد التي امتلأت بالأحداث والمشاهد الرائعة... تنحسر وتضيق ولا متسع لتسجيل المزيد... كل الأحمال كاذبة ولا شيء يبشر بميلاد عاصفة... سماء الوطن توقفت عن البكاء... لا دموع ولا مطر بعد اليوم... الماء والخضراء والوجه الحسن رحلوا مع الزعيم...
رمال غزة لم تعد تكتسي باللون الأصفر الذهبي... جبال نابلس لم تعد تنبت فيها زهور الأقحوان... تحول السهل والجبل إلى صحراء جرداء... وتحولت الأحلام إلى كوابيس... وتبدلت الوجوه وتغيرت الملامح... فذاك الوجه الذي ينطق عزماً وايماناً وصرامة... تحول إلى وجه قبيح... فاه فاغر معبراً عن حالة التيه... ذاك الوجه الذي تناثرت على صفحته شعيرات غير متناسقة... أصبح وجهاً حليقاً بعناية فائقة... وتلك الملابس البالية التي كانت تلف ذاك الجسد النحيل... تحولت إلى بدل فاخرة تعبر عن أناقة غير متواضعة...ذاك الرشاش الذي لم يفارق الرجل أُحيل إلى سجيناً في متحف "السلام الموهوم"...
فقل لي بربك ماذا نكتب لك أو عنك في هذا الزمن... هل نحسدك لأن الموت والغدر أخذاك مبكراً... أم نُشفق على أنفسنا لأننا نعيش اللحظة... لحظة الانهيار والانكسار؟! هل تسمعني يا سيد الشهداء؟! لكي أبث لك القليل من همومنا اللامتناهية!!! أم أنك كفرت بالأحياء بعد أن اكتشفت أن مساحة القبر أرحب وأكثر اتساعاً من مساحة ما تبقى من الوطن؟! حتى لو رفضت الاصغاء فنحن ما زلنا نبحث عن الحقيقة الضائعة في أروقة المقاطعة... ومازلنا نفتش بين صخور الذاكرة عن كلمات لنكمل ما تبقى من قصيدة كتبها الراحل محمود درويش... ومازلنا نغوص في أعماق بحر غزة نبحث عن أصداف كي نزين بها ضريحك الذي ضاق ذرعاً بالمكان...
لقد اشتاق بحر غزة لنظراتك التي كنت ترمقه بها كل صباح... وقد اشتاقت أزقة القدس لخطاك السريعة يوم أن كنت طريداً... وقد افتقدتك بيوت عيبال وجرزيم التي آوتك قبل ما يقرب من النصف قرن...
حلمت سيدي لغزة بميناء ومطار... وسعيت في الضفة على إنهاء الاحتلال... فلم يعد في غزة غير دمار وركام... ولم يبق في الضفة إلا الاحتلال والاستيطان... فهل قدر لأحلامك وأحلامنا... أن تموت في تشرين؟! بعد أن انطلقت بنا في كانون؟!
سحقاً لكل من تآمر على حلمك... وسحقاً لكل من تواطئ لقتلك... وأعلم أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا... وسلام عليك يا سيد الشهداء يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث حيا...