مُكتئب، تائه، لديه شعور بالتبلد واللامبالاة، يرغب بالوحدة .... لا يرغب في مقابلة أو الحديث مع أحد، لا يخرج من منزله، لا يُريد الذهاب للجامعة ولا العمل، مزاجه يتعكر من اللاشيء ..! هذا هو حال أغلب الغزّيين في هذه الأيام .. حاله عامة ما بعد الحرب .. حرب أفقدتنا شهيتنا في الحياة .. دمرت كل شيء فينا لم نعد نشعر بشيء قط .. فقط توهان !!
ما من مكان نستطيع الذهاب إليه لنروح عن أنفسنا في غزة سوى البحر .. فتلك البقعة الصغيرة من الكوكب ضاق قاطنيها ذرعاً بها .. وضاقت بهم، لا يسمع أحدهم الآخر، لا يلتمسون الأعذار لبعضهم، حتى أن الصديق لم يعد يلجأ لصديقه كما السابق ليُشاركه فرحه أو حزنه .. ولا يهمه حال صديقه .. "كلٌ منّا فيه ما يكفيه " .... " صديقتي تقول : موعد زفافي اقترب، حددناه على عجل بعد انتهاء الحرب، لكن أتريني فرحة ؟! لا والله .. الفرحة التي كانت بقلبي من قبل لم تبقى كما هي .. أطفئتها الحرب ... فَرِحة لكن ليس كما كنت عند تحديد أول موعد لزفافي !!" .. والذي كان من المفترض أن يتم في أيام عيد الفطر الماضي .. كانت تحلم بحفلة كبيرة، تُنظمها كما تُريد .. أما الآن تسألنا "عادي أفرح وأغنّي ؟!" .. بعد الحرب حتى الفرحة أصبحت بسؤال ، أصبحنا غير متأكدين من أنه يمكننا أن نفرح كما السابق !
لا يمكننا اللجوء لأحد في هذا القطاع الصغير نسأله ونشكو إليه كل من ظلمنا وسلب فرحتنا سوى البحر .
لنذهب للبحر .. هيّا لنذهب له .. هو الوحيد الذي يسمعنا هذه الأيام .. هو الوحيد الذي بإمكاننا إخراج ما في جوفنا له دون قلق من ردة فعله حيال ما نقول .. يمكننا الحديث إليه لساعات وساعات وساعات ... دون أن يمل منّا أو يتذمر لكثرة حديثنا وشكوانا .. لا يتحجج بأن لديه عمل أو ظرف ما كي لا يستمع إلى فضفضتنا.. عند البحر يمكننا فعل أي شيء وكل شيء .. منظره رائع جذاب .. في غضبه وهدوءه لا يمل الناظر إليه منه .. من يذهب هُناك يستطيع الركض واللعب بحرية كاملة، يستطيع الصُراخ ليفرغ شُحنة الغضب الموجودة بداخله بسبب الظروف والعقبات التي تأسُره .. يستطيع مشاركته فرحته وأحلامه .. على البحر يتحرر الانسان من كامل القيود .
عندما نُحدثه نوقن أنه أدرك ما نُريد قوله، وما نشعر به ... فهو لن يفعل كما يفعل البشر، لن يُحلل أو يُفسر كلماتنا حسب أهواءه، لن يضيق ذرعاً بنا عند صُراخنا فيه في لحظةِ غضب، ولن يُسمعنا كلام قاسِ لا نتمنى ولا نُريد سماعه .. فقط يترك لنا المجال لنستفيض في الحديث والتعبير، يسمع منّا كل ما نعجز عن البوح به للناس .. هدوءه لا يستفز المتحدث إليه .. هو الوحيد الجميل المُريح في هدؤه .. عند النظر إليه يختلجك شعور لا إرادي بالطمأنينة والراحة النفسية، يُعطيك أمل في الحياة، يُجدد لك نشاطك وروحك، تغمُرك ابتسامة خفيفة لا إرادية ..
لبحر غزة مذاق آخر حتى لو تشابه من عليه .. من أطفال يلهون، باعة متجولون، حبيبان يسيران مُتشابكا الأيدي يُشاركان البحر فرحتهما، شخص يُحدثه، وآخر يكتب ويتغزل به .. بنسمات هوائه الخلابة .. يتغزل بروعته عند اختباء الشمس داخله وعند بزوغها منه مع بدء نهارٍ جديد .. فيه يكمُن سرُ الحياة بالنسبة لنا .. نراه أجمل بحر في الدنيا .. رُبما لأننا لم نرى غيره ! أو لأنه ملجأنا الوحيد بعد الله ... حقاً لا أدري .. لكن .. ذاك الجميل لا أعشق سواه .
لنذهب له ولننتظر على مهل نتائج ما بعد الحرب من "ميناء، مطار، معابر مفتوحة مع الاحتلال ومع مصر، وإعادة إعمار ووووو ..." ! ... لننتظر عودة حياتنا طبيعية لنا كما كانت من قبل .. هذا لو اعتبرنا أن حياتنا كانت طبيعية أصلاً .....
ربما يطول انتظارُنا .. لكن لننتظر .