حتما يحق لوزير دفاع دولة الاحتلال الاسرائيلي " يعلون " بما صرح عن الجيوش العربية التي لم تعد تشكل خطراً محدقاً بدولة الاحتلال وهو يعلم يقيناً لا يقبل التأويل والتحريف على الاقل في المدى القريب والمنظور واقع الجيوش العربية المكدسة مخازنها بالسلاح وانفاقها عشرات المليارات سنوياً مقابل تطوير قدراتها الدفاعية والهجومية مساهمة بذلك منعشة بذلك اقتصاديات الدول المصنعة و المصدرة للسلاح من خلال سباقها الى امتلاكه بشكل محموم مع معرفتها التامة بأن ما تحصل عليه وكل ما يدخل في تطوير قدرات منظومات الدفاع والهجوم يُمنح حصرياً لدولة الاحتلال فقط..! وما تحصل عليه البلدان العربية من سلاح يُعتبر متطور وفعال وفتاك يأتي ضمن مواصفات وقيود الدول المصدرة , وهناك اجيال اخرى لا يمكن الحصول عليها حفاظاً على التفوق النوعي العسكري لدولة الاحتلال التي يأتيها السلاح بدون قيود يضاف الى قدرة جيش الاحتلال على انتاج وتطوير السلاح مقارنة بالدول العربية التى تنفق نسبة كبيرة من موازنتها السنوية لشرائه على حساب التنمية الاقتصادية الضرورية والمهمة للشعوب العربية حيث يعيش معظمها تحت خط الفقر والبطالة.
تنشغل الجيوش العربية في اوضاعها الداخلية ومواجهة فتن طائفية و انزلاقات نحو الاقتتال واحتراباً داخلياً منهكاً غير محسوب النتائج يجلب المزيد من الويلات والازمات ويفرض واقع التشرذم والتمزق وتفتيت جغرافيا الاقليم وحدث ذلك بعد انطلاق شرارة ما اطلق عليه "الربيع العربي".!! في يناير من العام 2011م في تونس وانتقل الى مصر وليبيا وسوريا واليمن والعراق التي كسرت حاجز الصمت والخوف لدي الشعوب العربية شهدت هذه الحقبة تظاهرات شعبية عفوية في سابقة شهدتها الشوارع والميادين منددة بالسلطات الحاكمة تطالب بمزيد من الحريات وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والصحية واحداث تغير ملموس يتناغم مع مطالب المتظاهرين وهو الامر الذي لم تعتاد الحكومات رؤيته او يمكنها السماح بتنظيمه وعلى الدوام استخدمت الدولة ادواتها وصلاحياتها وقوتها العسكرية و الامنية في تعقب ومتابعة كل من يعارض النظام او ينطق بكلمة ضده او محاولاً رفع صوته ضد اجراءات و سياسات حكومية مستمرة منذ عقود تتغافل عن حقوق الشعوب دون العمل على أي تغير في السياسات و الاجراءات المتبعة وتقديم حلول لمشاكل و ازمات عديدة تتحملها الشعوب وحينما انطلقت الثورات واجهتها الانظمة الحاكمة بالقتل و القصف و التدمير الذى لم يحقق الا مزيدا من المعاناة واهدار الطاقات و الامكانات و الموارد ويمنح فرصة مجانية لمتنفذي السياسة و اصحاب المؤامرات لتأجيج الاوضاع السائدة بما يخدم مصالحهم .
جميع الدول التي تأثرت بالربيع العربي انزلقت نحو حافة الهاوية بعد انتقالها من الثورات السلمية الى المسلحة و بذلك دخلت مرحلة جديدة من المواجهة المسلحة مما منح الانظمة الحاكمة غطاءاً مشروعاً لاستخدام عتادها العسكري في المواجهة وتنفيذ سياسة الارض المحروقة والقتل دون ضوابط والقصف الجماعي لأحياء سكنية كما يحدث في سوريا المستباحة يومياً وما يحدث في العراق المُفتت وليبيا المنقسمة على نفسها واليمن المدمر من اقتتال واحتراب هو نزيف دم من الخاصرة العربية واهدار لقوتها ومقدراتها ومواردها والهدف منه اشغال الجيوش والبلدان العربية في اوضاعها الداخلية والمستفيد الوحيد هو من خطط لذلك ونجح في تنفيذ مخططاته التدميرية للإقليم العربي واتقن السياسة القذرة وطبق لعبة الامم وترجم الفوضى الخلاقة واقعا واشعل الاقليم العربي ويحدث هذا على مرأى ومسمع دولة الاحتلال و الغرب التي ترقص فرحا وطربا على وقع التمزيق و التشتت والتشرذم لكل مكونات طاقات البلدان العربية وجيوشها المنشغلة في الاقتتال الداخلي والتي يوما ما كانت تشكل نذير شؤم لدولة الاحتلال وبعبع مخيف الان تحقق حلمها ولم يعد الجيش العراقي يرهبها ولا الجيش السوري يهدد امنها ولا الجيش المصري يمثل تهديداً لاستقرارها.! وهذا الجيوش كانت على الدوام تشكل هاجساً مرعباً لدولة الاحتلال يتوجب التخلص منه و ازالة أي قلاقل قد تأتي منه مستقبلاً ..
امام تصريحات "يعلون" التي تحمل واقعا رسمته الصورة القائمة للحالة العربية المتردية وانزلاقها نحو هاوية الانقسامات والدويلات وسقوط قلاع الجيوش العربية القوية وتهاوي حصونها وتأكل ترسانتها وانخفاض حدة تهديدها لدولة الاحتلال وعدم تشكيلها أي خطر محتمل مع ما تواجه من اضطرابات مقصودة والدخول في العنف والعنف المضاد يمثل هذا الواقع المرير فرصة ثمينة لدولة الاحتلال استغلتها في الماضي من خلال اعتداءات ثلاثة بفارق زمني بسيط كانت الاكثر فتكاً وتدميرا على قطاع غزة كان اخرها في صيف 2014م وهو الاعتداء الدموي والتدميري الاطول حيث استمر مدة 51يوماً واجهت خلالها غزة منفردة ووحيدة دون ان يتدخل احد لنجدتها ورفع الظلم عنها ويُحسب لها صمودها الاسطوري امام اخر احتلال و اعتي جيوش العالم والاكثر تسليحاً حدث ما حدث والجيوش العربية منشغلة في حماية انظمة بائدة عفا عليها الزمن ومنذ هزيمة حزيران العام 1967م واحتلال ما تبقى من فلسطين وسقوط هضبة الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء التي أعيدت الى مصر بعد اتفاقية "كامب ديفيد" انكمشت الجيوش العربية وتراجعت في مواقعها ولم تعد عندها الروح القتالية اتجاه دولة الاحتلال وكل ما تحصل عليه من سلاح يُستخدم فقط في الاستعراضات العسكرية خلال الاحتفالات و المناسبات الوطنية ولخدمة الانظمة المنهزمة وترهيب الشعوب فقط دون ان يكون لها قوة الردع والرد على انتهاكات الاحتلال لأراضيها وهذا ما تكرر مع سوريا و السودان وسبقها الاعتداء على العراق وضرب مفاعله النووي وقصف مواقع منظمة التحرير على الاراضي التونسية ويبقى الحديث عن تحرير الأراضي العربية المحتلة ممنوعاً و لا يمكن تداوله والحديث عنه محصوراً في اروقة الساسة وكأن التاريخ يعيد نفسه حينما قَدم اليهود الى فلسطين وارتكاب المجموعات اليهودية المجازر بحق السكان الفلسطينيين العُزل على مرأى و سمع الجيوش العربية التي لم تَهب لنجدة فلسطين و شعبها الى ان سقطت بيد اليهود واعلنوا دولتهم على انقاض المدن و القري المهدمة وما نتج عن ذلك من معاناة و ازمات ومشاكل و هموم يتحمل اعباءها كل فلسطين اينما يتواجد منذ 67 عاماً وهذه الاحداث التاريخية وتصريحات "يعلون" واجب الوقوف عندها كثيراً ولها استحقاق وطني يتطلب تحقيق المصالحة الوطنية وانهاء الانقسام والعمل وفق ما تمليه مصالح الشعب الفلسطيني اولاً دون الاعتماد كلياً على اقليم عربي يدور في دوامة الفتن الطائفية والقتل و الدمار وان كانت مواقف شعوبه تختلف تماماً ولفلسطين حيز في وعيها و تفكيرها يمكن ان تفعل شيئاً وتقدم الكثير فيما لو تغيرت الظروف القائمة ونالت حريها و استقرت اوضاعها و عادت للجيوش العربية تتموضع وفق ما تمليه مصالح الامة العربية كلها وتمثل بذلك صمام امان يفخر به كل عربي من المحيط الى الخليج ولن يكون هذا ممكناً الا اذا كانت هناك ارادة حقيقة لإحداث تغير جذري يفرض نفسه بقوة قد يبدو هذا الامر بعيدا على الاقل في الوقت الحالي ما يستدعي توحيد الجهد الفلسطيني والوصول لشراكة حقيقية لا غُبن فيها ولا تقزيم لدور كل الاحزاب و الفصائل و الفعاليات تقف امام استحقاقات الهم الوطني و تستكمل مسيرة التحرير وتواجه موحدة كل الاجراءات و المخططات الاحتلالية وتعمل وفق الاجندة الوطنية الفلسطينية الحرة البعيدة عن الاستقطاب و التجاذب حينها يمكن الرهان على الفلسطيني الموحد و الحر و القوي بوحدته ان يواجه الاحتلال و ينتزع حقه و لا ينتظر جيوش عربية مكدسة مخازنها بالسلاح ان تأتي لتحرير ارضه لأنها ببساطة لن تأتي..