تاريخ النشر: 2016-10-16 | 19:41
تاريخ النشر: 2016-10-16 | 19:41
على قارعة طريق رملي توقفت سيارة الأجرة الحديثة لتنقل الحاج عباس، وفتح الشاب المهذب محمد الباب الأمامي حيث يجلس لكي يفسح المكان للحاج الواضح تعبه ومرضه من حركة ساقيه، جلس الحاج الذي خطّ الزمن جبينه بتعرج، بينما رجع الشاب للمقعد الخلفي حيث كانت تجلس السيدة اعتدال، وسار السائق الشاب في مقتبل عمره في الطريق، وسط اهتزازات عنيفة أحدثتها مطبات الشارع.
بعد أن ألقى بالتحية، ناشد الحاج السائق التمهل في الطريق الوعرة، فيهز السائق رأسه داعياً على البلدية التي لم تسّهل الطريق، وعلى من ألغى حقه في انتخاب بلدية جديدة. وفي الطريق شدّت مسامع الراكبين أصالة صوت أبو عرب منشد الثورة الفلسطينية وهو يمّول لتوتة الدار وينشد أمل العودة، فيستذكر الحاج عباس أيام البلاد وموسم الحصاد وفزعة الجيران والأهل للمساعدة، فيقول الشاب محمد يبدو أن أيام زمان تغيرت وتبدلت القلوب وضعفت العلاقات الاجتماعية، يرد عليهما أبو عرب بصوته الشجي: هدي يا بحر هدي.. طولنا في غيبتنا.. ودي سلامي ودي.. للأرض اللي ربتنا، تقاطعه السيدة اعتدال التي بدا أنها مثقفة: الله يجمّلها بالستر يا حجي، ويحمينا من الاحتلال، ويصلح الحال، ويحنن العرب علينا. فيقول السائق: بمناسبة العرب معبر رفح فتح لأيام، يعاجله محمد: أمس دخل ثمانية باصات، واليوم لحد هالظهرية باصين، أما الحاج عباس فيقول: فرصة للمرضى يسافروا للعلاج، والمقطّعين والمشرّدين يرجعوا، الله يهونها علينا.
يواصل الرائع المرحوم أبو عرب: سلم سلم عبلادي.. تربة بيي واجدادي.. وبعدو العصفور الشادي.. بيغرد لعودتنا، يدندن السائق مع ترانيم صوت الثورة، فيتنهد محمد، ثم يقول: وهي شركة الكهربا طفت مولد وشغالين على مولد واحد، يتفاجئ الحاج عباس: ايش.. يعني رجعنا لجدول أبو ست ساعات، لا حول ولا قوة إلا بالله. ترد عليهم السيدة اعتدال: قول حسبي الله ونعم الوكيل يا حج، وبعد النظر إليهم شارداً يقول السائق: يعني مش بيكفي طابور البنزين اللي رجع، وطوابير الغاز، كمان الكهربا، الله يلعنك يا إسرائيل..
يا وجع القلب، يقول الحاج عباس. ويغني أبو عرب: وعهد الله وعهد الثوار.. ما بنسى حقك يا دار.. ومهما طولنا المشوار.. راجعلك يا ديرتنا.. فيكمل الحاج عباس: والله شكلها طوالة يا أبو عرب. فيتدخل الشاب محمد قائلاً: بطلنا عارفين الحق على مين في هالبلد. وتكمل السيدة اعتدال حديثه: الحق على من زاد الفقراء فقراً، وطابور البطالة طولاً، وضيّق الحصار أكثر، وأغمض عيناه عن آهات شعبه، واستمر في بطشه وتنكره للثوابت والأصول، وعمّق الانقسام.
يرد الجميع: أي والله، بينما يهزج أبو عرب: يا توتة الدار.. صبرك عالزمان إن جار.. لا بد لنعود مهما طوّل المشوار. فعزائنا هو الأمل في العودة واستشفاء الجراح التي ما تزال تضرب في الجسد العاري، وبلسمه زرع معاني الثورة في الأبناء والأحفاد واستمرار المقاومة رغم الآهات، فالشعب يواصل الصمود، آملاً في فصائله الوحدة والتشبث بالوجود، لتجاوز العقبات وتخطي الحدود، والانتصار على الحصار.
ففي قطاع غزة نسبة البطالة ترتفع إلى نحو 42%، بينما يعيش نحو 65% من الشعب تحت خط الفقر، صنّفت المؤسسات الدولية حالة 38% من الفقراء بالفقر المدقع، ويعتمد نحو 80% من مجموع السكان على المساعدات. وفي نهاية الطريق يتوقف السائق جانباً لينزل الحاج والشاب والسيدة، بينما يبدل موسيقاه لأغنية جديدة.. ويستمر بحثاً عن ركاب جدد في طريق جديد.