تاريخ النشر: 2015-12-14 | 08:54
تاريخ النشر: 2015-12-14 | 08:54
في الوقت الذي وضعت فيه اسرائيل رؤية جديدة كاملة الوضوح لاستراتيجيتها فيما يخص الصراع الصهيوني الفلسطيني ، في حين رأت بأم عينها الانهيارات التي ألمّت بالجيوش العربية كنتيجة لما اسماه العالم بالربيع العربي ، و كنتيجة للفشل الذي منيت به السياسة الخارجية الامريكية بعد نظرية الفوضى الخلاّقة لكوندليزا رايس و سوء التقدير والتنفيذ لادارة اوباما ومراهنتها على اعطاء حركات الاسلام السياسي الفرصة للمشاركة في تحولات سياسية واجتماعية و حراكات شعبية في الوطن العربي ، في محاولة منها على استبدال حلفائها التقليديين من طغاة حكموا الوطن العربي لسنوات طويلة عملوا على خدمة وتنفيذ سياساتها لتحقيق مصالحها في المنطقة ، ولكن سرعان ما اكتشفت شعوب المنطقة بانها كانت ضحية لعبة سياسية رسمتها ووضعتها ادارة بوش الابن في اطار صراعات رؤوس الاموال المختلفة في العالم بما فيها راس المال الصهيوني والذي اثبتت الايام بانه اصبح مسيطرا لدرجة يفرض فيها شروطه وقوانينه عندما فرض وجود رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو في الكونجرس الامريكي و ليقف له اعضاء الكونجرس مصفقين رغم انف رئيس الولايات المتحدة الرافض لهذا الوجود، لدرجة ادت بالامريكي العادي يتساءل من هو في الحقيقة رئيس الولايات المتحدة ؟
الرؤية الاسرائيلية الجديدة والتي لا تستطيع ان تغفلها عين ناقد او ملاحظ هذه الرؤية الي تقوم على تكريس تغيير ديموغرافي في الضفة الفلسطينية، فاسرائيل تعمل على تحقيق ذلك بسرعة فائقة غير مسبوقة، وبخطوات حثيثة لتصل بتعداد سكاني يهودي يفوق التعداد السكاني الفلسطيني في الضفة ! والتي تصر اسرائيل على تسميتها "يهودا والسامرة" ولتستطيع فرض تغيير ديمغرافي يجعل من الضفة خارج نطاق اي تفاوض قادم مع الطرف الفلسطيني أي كان هذا الطرف !؟ ومن هنا رأت اسرائيل دورا قادما لحركة حماس بطبيعة تكوينها وعقيدتها السياسية سيؤدي الى تحقيق ضم الضفة الفلسطينية لتصبح جزءا لا يتجزأ من الكيان الصهيوني ، ولقد ساعد اسرائيل على الاقتناع بقبول هذا التفكير اعادة قرائتها لميثاق حركة حماس والذي يقوم على اساس ادامة الصراع مع الكيان الاسرائيلي و عبر تحويله من صراع وطني الى صراع عقائدي ديني ، كل ذلك أدى برأس السياسة الاسرائيلية الى الاصرار على ان اسرائيل هي كيان ديني، فسارع رئيس وزرائها بالمناداة بيهودية الدولة واصبح هذا الخطاب شرطا وجدارا ثابتا تتكسر عليه امواج كل المنادين بوطنية الصراع ، وفي مراهنة على المتغيرات الفكرية التي اثرت على فكر مركبات المجتمعات العربية و ذهابها بعيدا في قناعاتها بان الفكرة الدينية قد تكون هي الطريق الى الخلاص ، وامام هزيمة الطليعة العربية وغيابها بشكل يكاد يكون كاملا وتحول رموزها الى رموز امتهنت السياسة جريا وراء الارتزاق بعد كل الهزائم التي اصابت معتقداتها و هزيمة حليفها الاستراتيجي التقليدي اثناء الحرب الباردة المتمثل في الاتحاد السوفيتي ومحوره.
للذهاب الى قراءة مدى ملائمة حركة حماس لتحقيق الهدف الاسرائيلي فلا بد الى العودة الى استقراء ظروف تأسيسها و ميثاق تكوينها و منطلقاته السياسية ومدى استعداده ليكون خادما للاستراتيجية الاسرائيلية الجديدة القديمة والتي كانت حلما صهيونيا لم تكن متأكدة من تحقيقه لولا اصرار قياداتها السياسية على تنفيذه بعد اغتيال كل من رابين و الشهيد ياسر عرفات اللذان شكلا تهديدا على هذه الاستراتيجية، وبلمحة خاطفة على ظروف تاسيس حركة حماس كوريث شرعي للمجمع الاسلامي الذي اسسه احمد ياسين و الذي بلغت شهرته بحيث أصبح يطلق على حركة الإخوان المسلمين في قطاع غزة المجمع الإسلامي حيث كان بمثابة "واجهة لجماعة الإخوان المسلمين"، وأنه "وفر شكلاً من أشكال الحماية القانونية لنشاطات جماعة الإخوان في القطاع حاز على ترخيصه من ضابط الركن الاسرائيلي للادارة المدنية في غزة بمباركة القيادة السياسية والامنية الاسرائيلية في حينه والذي خالفها الرأي في حينه ضابط الاديان في الادارة المدنية "افنير كوهين" عام 1979،( صحيفة هآرتس الاسرائيلية) والذي دعي الى حفل الافتتاح الرسمي ولكنه رفض حضور الحفل وذلك لعدم اقتناعه بتكتيكات قيادته السياسية والتي شكك فيما اذا ما كانت هذه هي الطريقة المثلى لخلق بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية ام لا ولقد خاطب قيادته السياسية وقيادة الشاباك عام 1984 قائلا "يتخذ نشطاء المجمع اسلوبا خمينيا عنيفا فهم يستعملون وسائل مضايقة وتخويف، مع ذياع صيتهم بين السكان المحليين، في حين يملكون ميزانيات غير محدودة إن استمرارنا في غض الطرف عنهم أو توجهنا المتسامح من المجمع قد يكون في غير مصلحتنا في المستقبل يجب العمل على إبعاد هذا المارد قبل أن يصفعنا الواقع على وجوهنا" ولم يكن ليدرك "افنير كوهين" بان قيادته كان يروقها ذلك و كانت دائمة الدعم لكل من يصفع اسرائيل ويديم الصراع معها ، كتكتيك يبقيها امام العالم الضحية و الجهة المستضعفة و بما يضمن تكاثف اليهود حول قومية دينية رغم اختلاف اوطانهم وقومياتهم ، وكان هو من السذاجة حين اقتنع بان قيادته هي الساذجة عندما عبر عن ذلك بقوله "قلت ما عندي، لكن الجميع كانوا ساذجين وحسبوا انهم سينجحون بتقوية ياسين لاحباط قوة م.ت.ف" ولكن افنير كوهين ادرك ما ذهبت اليه القيادة الصهيونية واتخاذها قرارها باستبدال منظمة التحرير الفلسطينية بمن يقبل تطبيق الحكم الذاتي الذي طالما رفضته المنظمة "لقد بدأت قصة حماس قبل ذلك بكثير ، فقد وافقت الحكومة كجزء من اتفاق كامب ديفيد على منح سكان المناطق حكما ذاتيا اداريا وفور ذلك بحثت الحكومة بكل جهد عن شريك يتبنى فكرة الحكم الذاتي، لكن م.ت.ف برئاسة ياسر عرفات، رفضت الفكرة ألبتة زاعمة أنها إهانة للذكاء الفلسطيني وهنا دخل الصورة الشيخ احمد ياسين "انه شيخ كما أنا كاهن" - يقول كوهين وابتسامة كبيرة على وجهه – "ظهر ياسين أمام الادارة العسكرية وابلغها استعداده ليكون شريكا و يتبنى فكرة الحكم الذاتي"، ويستطرد كوهين " اظهر وزير الدفاع آنذاك عيزر وايزمن حماسا كبيرا للشريك الجديد وفعل كل شيء لتنفيذ الاجراء، كان للياسين طلب واحد فقط: تمكين الرابطة التي أقامها، المجمع الاسلامي، من أن تُسجَّل كجمعية عثمانية، أدرك كوهين، الذي بواسطته سيطرت الدولة على المؤسسة الدينية في القطاع، أدرك سريعا جدا الى أين تهب الرياح فيستطرد : "قرأت نظام - ميثاق- الرابطة وكان الأمر يبدو مثل تحقق الحلم الصهيوني" وبدأت حماس بتنفيذ تخطيطاتها عبر السيطرة على المساجد وعبر بناء مساجد جديدة لدرجة انها قامت على بناء78 مسجدا جديدا مكنت المجمع (حماس لاحق) من نقل اموال مصدرها جهات معلومة تمثلت في التنظيم الدولي للاخوان المسلمين، لكن فؤاد بن اليعيزر الذي كان آنذاك منسق العمليات في المناطق وشغل وزارة البنى التحتية لاحقا، رأى كثرة المساجد تعبيرا عن حرية العبادة !؟
كانت هذه البدايات لتاسيس منظمة احمد ياسين و الذي رأى ان ذلك وحده لا يكفي ، وعليه ان يذهب ابعد من ذلك طالما داعبه حلم ايجاد كينونة سياسية تقوم محل الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني ، فها هو حصل على موافقة الاحتلال الاسرائيلي عبر تقاطع المصالح ، فشخصية لها صفات شخصية احمد ياسين تدرك وتعلم مشروعها تمام الادراك والمعرفة و لم يكن ليغيب عنه مثل هذا التقاطع في المصالح ، فذهب هو و صحبه للعب على المكبوت الديني، السلاح الذي يصعب قهره في بيئة اجتماعية انكفأت الى الخطاب الديني بعد ان اصابها الانبهار بالثورة الايرانية و بشخصية الخميني ، بعد هزيمة الفكرة القومية التي اتضحت معالم انكفائها ، وذهب المجمع ليبلور منطلقاته السياسية و عبر ميثاقه الذي يختلف الكثيرون حوله بما فيهم ابناء ومفكري حماس انفسهم ، نتيجة لتركيبة صياغته و مضامينه ومواده التي تثير الجدل ، والذي اعتمد من قام على الصياغة على اعتبار بروتوكولات صهيون حقيقة لا تقبل النقاش رغم عدم ثبوت صحتها حتى الان، ولكن من صاغه كان يعلم تماما انه كان يجب ان يرضي المؤسسة الاسرائيلية لكي تستطيع ان تحوز على الترخيص القانوني للعمل ، رغم ان الجهة مانحة الترخيص لم تكن بالغبية وانها كانت تدرك بان قيادة حماس عندما ستجري اي تعديلات لارضاء اتباعها و جمهورها الفلسطيني والعربي ستقوم بصياغة التعديلات بما يضمن المصالح الصهيونية عبر ادامة الصراع الاسلامي اليهودي، وسيبدع من يصوغ اي زيادات او تعديلات تجرى على الميثاق ستخدم الحركة الصهيونية اكثر بكثير لو ان من يقوم على ذلك هوالمندوب القانوني للحركة الصهيونية و الكيان الاسرائيلي نفسه.