تاريخ النشر: 2023-10-25 | 21:19
تاريخ النشر: 2023-10-25 | 21:19
شروق يوم عطلة السبت 7 أكتوبر ..
أشعة الشمس تنفذ من بين تلال الرمال البعيدة ، نسمات الخريف تداعب الأشجار ، الصمت يحيط بالمكان إلا من زقزقة العصافير مثل كل صباح، إنها صبيحة العيد " سمحات توراة " والجميع مسترخي ومطمئن، ولايهتك هذا الصمت سوى صخب حفل ليس ببعيد.
وهناك .. وراء سياج عالي ومنيع يسمح بالكاد بمرور النسيم، تتأهب مجموعات من المقاومين خلف سواترهم وتمويههم الناجح - في صمت وسرية -، يتطلعون لبزوغ نور شمس اليوم الموعود، وينتظرون بشغف اشارة البدء.
عقارب الساعة تشير الى 6:28، يغتال الصمت أزيز مئات الصورايخ على طول حدود قطاع غزة، صفارات الانذار تدوي في كل القواعد العسكرية والمستوطنات المحيطة بالقطاع والذي بالكاد تبلغ مساحته 360 كم²، ينشط الجميع والانذارات تنهمر على أجهزة المحمول تحث على ضرورة الاسراع والتوجه الى الملاجئ أو الغرف الآمنة بالمنازل.
وهناك من وراء ذلك السياج الذي تكلف المليارات لانشاءه وتجهيزه، صدر نداء اشارة البدء، .. تزامنا مع الهاء وانهاك صواريخ المقاومة لمنظومات القبة الحديدة الدفاعية، انطلقت عشرات المسيرات لتحييد ابراج ونقاط المراقبة والرصد، وأنظمة الدفاع الآلية، وبذات التزامن انطلقت مجموعات مدربة على استخدام الطيران الشراعي للدخول خلف السياج الامني - بهدوء وصمت وتحت غطاء تلك المظلة من الصواريخ - لتتعامل مع النقاط العسكرية الحدودية المحاذية لحدود قطاع غزة وتحييدها.
الساعة تشير إلى 7:15 صباحا، بدء الاختراق البري المذهل، مجموعات تتقدم لفتح ثغرات ومداخل بطول السياج، بالنسف وبالتفجير وبكل الوسائل التقليدية الممكنة، وكأمواج متعاقبه..تتبعها مجموعات أخرى لتجهيز الثغرات و المنافذ لعبور الدراجات النارية وسيارات - البيك اب - رباعية الدفع، ومجموعات تلو المجموعات تسيطر وتوثق تواجدها في النقاط العسكرية المحازية للحدود، ومجموعات أخرى ذهبت لما هو أبعد، ذهبت الى حيث ما حفظت من حكايات الجد ونوادر الجدة، ذهبت إلى ما سمعت عنه ولم تراه، ذهبت إلى البلاد..، وتمكنت بطريقة مذهلة من السيطرة على مناطق أبعد من الغلاف بل وسيطرت على قاعدة فرقة غزة العسكرية، بكل ماتمتلكه من تحصينات وامكانيات، وبكل ما تحتويه من خرائط وخطط وأسرار، فتقتل من تقتل وتأسر من تأسر وتستولي على كل ماطالت أيديها.
عقارب الساعة تشير إلى 9:10، سيارات المقاومين تجوب طرقات المستوطنات وسط خوف المستوطنين وذهولهم، .. المقاومة تسيطر عل غلاف غزة، يصحو الجميع على الحقيقة، من كانوا في الغرف والملاجئ يخرجون غير مدركين.. كيف حدث هذا؟، أين حراس المستوطنات؟ ... أين الشرطة وحرس الحدود؟ .... أين الجيش؟، عندها .. يدركون جميعا أنها أسئلة عبثية، لن تغير في الوضع الراهن شيئ.
وبالمقابل من جاءوا من وراء السياج، يندفعون فرحون لايكادوا يصدقون ما حققوه، ينظرون حولهم، فخورون بما وصلوا إليه، .. هذا لم يصل إليه الأجداد، .. هذا مالم يصل إليه أحد.
كنت أتمنى أن أستمر في سرد هذه اللوحة الملحمية بكل ما فيها من قصص وصور ومعانٍ، لكن يلزم العودة للواقع.. حقيقة ما حدث أن إسرائيل فقدت_ أعز ماتملك_ هيبتها وردعها من جهة، وتأهبها للرد الساحق والسريع المزعومين من جهة، والحقيقة .. فشلت إسرائيل في الحالتين، .. وليست مرة واحدة بل مرتين.
الحقائق تقول أن الجميع الإسرائيلي تعرض لضربة موجعة وأليمة ومهينة في السابع من أكتوبر، لكن الاخطر في هذا المشهد أن حجم الهزيمة والانكشاف أكبر... إسرائيل الاسطورة سقطت، نعم سقطت، وفشلت، ولم تستطع حماية مستوطنيها، ومواطنيها، وزوارها ، وحتى أفراد جيشها لم يستطيعوا حماية زملائهم. ولم تجد حيلة سوى الانتقام الأعمى والجائر من المدنيين وممن لاحول لهم ولاقوة.
هذا يفسر بوضوح هذا النفير وتحريك السفن والأساطيل والزيارات المتتالية لزعماء الغرب المجنون لانقاذها، ويفسر هذه الفزعة العسكرية قبل السياسية لحمايتها.
الحقيقة أن إسرائيل.. نعم إسرائيل بكل ما يقال عنها في قصص الرعب الليلية، هي أضعف مما كنا نعتقد ونتخيل جميعا، ولا تمتلك الدوافع الذاتية للدفاع عن نفسها بدون حماية عائلها، ولولا أن الغرب يجد ويرى - لسبب أو لآخر - في إسرائيل فائدة رغم تكاليف اعاشتها واستمرارها الباهظة، لقضي الأمر منذ زمن بعيد.
ما يجب أن نتعلمه ونتخذ منه العبر كشعب وأمة، ان هذا العدو ضعيف.. وأن العدو الحقيقي - الذي نحاربه - هو من يغذي ويحيي هذا الكيان في المنطقة، ويجعل منه خيال ظل وفزاعة، ويستفيد بشتى الطرق من الاختلافات والنزاعات والفروقات وكل تلك الترهات لاستهلاك مواردنا وتحقيق مصالحه.
إهداء لأخي سعيد عمار.