الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

أجيال جديدة في السياسة والحكم

أجيال جديدة في السياسة والحكم

تاريخ النشر: 2022-12-20 | 11:17

د.مصطفى الفقي
د.مصطفى الفقي

إن تداول السلطة من سنن الحياة، كما أن دوران النخبة من طبيعة البشر، لذلك لاحظنا أنه ما إن طوى القرن الـ20 صفحاته واستأذن في الانصراف بعد معاناة طويلة للعرب في ذلك القرن من خلال تطورات غير مسبوقة، خصوصاً في ربعه الأخير إلا وبدأت بعض أوراق حكام عرب تتساقط بحكم الزمن وحركة التاريخ، فرحل عدد كبير من الملوك والرؤساء ووصل إلى سدة الحكم شباب مختلف، يضخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية، خصوصاً أنه تواكب مع ما سميناه "الربيع العربي" بكل ما له وما عليه، فتبدلت الأحوال وتغيرت الأوضاع حتى أصبحنا أمام عالم عربي جديد تمسك بزمام الأمور فيه مجموعات شابة لم تكن متاحة على مسرح الحياة السياسية قبل ذلك.

بل لقد أصبح لدينا قادة في مقتبل العمر ويحملون في الوقت ذاته أفكاراً رجعية ولا يخرجون عن الأنماط التقليدية، ولقد استأثرت السعودية بنصيب وافر من التطور الإيجابي الذي لم يكن متوقعاً وآلت إليها نوعية جديدة من الريادة الفكرية تقوم على الحداثة واستيعاب المتغيرات الدولية والإقليمية، فكان ظهور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ودوره بمثابة تجديد حقيقي للدماء العربية، ونافس أتاتورك الذي جاء بأفكار إصلاحية ذات طابع شكلي في مجملها، لكنها لم تكن متاحة للأتراك في سنوات صعودهم الحديث وجرى شيء مثيل بدرجات متفاوتة في دول الخليج العربي، زعامات شابة وأفكار متحررة ورؤى عصرية تواكب الزمان والمكان مع رغبة في الخروج إلى العالم الواسع بصورة مشرقة وعقلية مختلفة.

وسرت تلك الروح العربية الجديدة وتناقلتها الألسنة إقليمياً ودولياً، وبدأنا نتحدث عن تحولات جذرية على الساحة العربية، ولقد احتوت الأسابيع الأخيرة تلخيصاً واضحاً لهذه الروح التي صنعت درجة عالية من الحيوية في أرجاء الوطن العربي، فمن المؤتمر العالمي حول تغير المناخ الذي عقد في شرم الشيخ المصرية إلى مونديال كأس العالم لكرة القدم الذي جرى للمرة الأولى على أرض عربية في دولة قطر، ثم كانت القمم الثلاث للصين والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية، جاء ذلك كله تأكيداً أن فجراً جديداً يلوح في الأفق وأن صورة مختلفة للعرب تكتمل أمام مشهد واضح لمسيرة عربية كان من المقدر لها أن تمضي مع حركة الزمن وتطور الظروف، ويهمني هنا أن أناقش القضايا الآتية:

أولاً: إن الأمة العربية معروفة بتراثها العريق واحتوائها لحضارات قديمة وثقافات كبرى، فضلاً عن احتضانها للديانات السماوية الثلاث، لذلك فإن الركام المتعاقب على أرضها يجسد سبيكة حضارية خاصة تجعل اعتزاز العرب بماضيهم جزءاً من رؤيتهم للحاضر وتصورهم للمستقبل، لذلك فإن الماضي يشد العرب دائماً بحنين قوي إلى عصور مضت وعهود قضت، ولذلك ثارت عبارة "أمجاد يا عرب أمجاد" تعبيراً عن هذا الشعور الدفين الذي يطفو على السطح بين حين وآخر، ولا بأس أن تكون لأمة معينة درجة من العراقة تشد تاريخها وراءها وتحمله على كاهلها شريطة أن لا تتجمد عنده وأن لا تتوقف أمامه، بل تنطلق منه إلى ما هو أجدى وأنفع في بناء الحاضر وصياغة المستقبل، لذلك فإن اتجاه العرب نحو الحداثة بمضمونها الفكري والسياسي والثقافي هو نقلة نوعية نتطلع إلى استكمالها ونسعى إلى تعزيزها.

ثانياً: إن هناك صحوة عربية ملموسة تعيد ترتيب البيت في كل قطر عربي وتسعى إلى توظيف الموارد الطبيعية والبشرية أفضل توظيف وتلك في حد ذاتها قفزة هائلة نحو المستقبل لأننا كنا متهمين بإهدار الموارد وغياب القدرة على الإفادة من الفرص المتاحة، وها هي دول مثل السعودية والمغرب ومصر ومعظم دول الخليج العربي فضلاً عن الجزائر تتجه في مجموعها إلى الصعود على درج التقدم من خلال الصناعات الجديدة والمشاريع العملاقة والأفكار البناءة حتى تكسر حاجز التخلف وتنطلق إلى الأمام، خصوصاً أن العرب يمتلكون مفاتيح خزائن الطاقة التقليدية والجديدة أيضاً، فضلاً عن وجود قاعدة علمية نشطة في معظم الدول العربية بغير استثناء، ولا شك في أن الاستقرار السياسي يتحمل مسؤولية كبيرة في ذاته، فالدولة السورية التي تدفع ثمناً فادحاً لوضعها السياسي بعشرات الألوف من اللاجئين والنازحين منها هي تعبير إضافي يؤكد أهمية الوضع السياسي واستقراره في تحديد نقطة الانطلاق نحو عصر مختلف ومعطيات جديدة.

ثالثاً: لقد اندمج العرب للمرة الأولى في تاريخهم الحديث اندماجاً تفصيلياً في قضايا العصر بمعطياته الجديدة ومفرداته الحديثة، وسيطرت على العقل العربي في السنوات الأخيرة المسائل الكبرى المتصلة بالطاقة والمياه وبتغير المناخ وبالتلوث البيئي، فضلاً عن أزمات نقص الغذاء وندرة الموارد، وتحولت دول عربية كثيرة من اقتصادات الريع بالاعتماد على عنصر واحد لكي تملك درجة من التعددية تجعل من دولة مثل السعودية دولة سياحية بامتياز ومن مصر دولة حديثة بتقنيات عصرية وشبكة طرق لم تعرف لها من قبل مثيلاً، إذاً فنحن أمام تطور جديد يمكن القياس به على معظم الدول العربية الأخرى بغير استثناء، لكن تبقى الإرادة السياسية للنظم العربية القائمة في قدرتها على استيعاب ما يجري واستشراف المستقبل واستلهام مقومات التطور بالعمل الجاد والتكنولوجيا الحديثة وتبادل الخبرات أخذاً وعطاءً مع العالم المتقدم في عصرنا.

رابعاً: قضى العرب قروناً عدة ينظّرون ويتحدثون ويثرثرون وتكون المحصلة شعارات زاعقة ونداءات عفوية حادة لا تغني ولا تسمن من جوع، فكان لا بد من ترشيد ذلك السلوك وتحويله إلى إحساس حقيقي بالتطور والتقدم والرغبة في ارتياد المستقبل بثبات ويقين وإرادة، فنحن نسعى اليوم إلى تغيير الهياكل الاقتصادية للدول العربية وتنشيط تجارتها الدولية ورفع قيمة عملتها المحلية وتعزيز أسباب النمو الاقتصادي المدروس الذي يقوم على قاعدة ديمقراطية رشيدة يلتزم بها الجميع، متماشين مع روح العصر وأدبياته الثقافية وأساليبه الاقتصادية حتى نقف على أعتاب تحول حقيقي لا رجعة فيه.

خامساً: كلما تحدثنا عن عوامل النمو في الاقتصادات العربية والتطوير في هياكلها الأساسية فإننا نرتطم دائماً بقضية معقدة مؤداها أن الصراع العربي- الإسرائيلي يمثل القضية الجوهرية الأولى للعرب بحيث يتعاملون مع المستجدات فيها وفقاً لكل ظرف على حدة، إذ إن الصراع العربي- الإسرائيلي استنزف مقومات عدد من الدول العربية وجعل الإنفاق على التسليح تسريباً لجزء كبير من موارد هذه الأمة، فضلاً عن التأثير السلبي في الروح الديمقراطية وانعدام الاقتران بين الديمقراطية والتنمية، بما يعني أن الدول العربية تدخل حالياً مرحلة الإفاقة وعودة الوعي الكامل بحيث تستطيع أن تحدد ملامح المستقبل أمامها وأن تتلمس خطوات جادة في التغيير نحو المستقبل، ولا شك في أن الصراع العربي- الإسرائيلي تحول في السنوات الأخيرة من محاولة حله إلى مواصلة إدارته، إذ إن ما يجري حالياً هو إدارة للصراع وليس حلاً له ولا يمكن التنبؤ بإمكانية الوصول إلى تسوية ذات مقومات شاملة وعادلة تعطي للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة في وطنه على أرضه وعاصمة لدولته.

هذه ملاحظات تجمع العوامل ذات التأثير القوي من بين المعوقات التي نالت من مسيرة العرب في العقود الأخيرة، ولا يخالجني شك في أن انطلاقة العرب هذه المرة تختلف عن سابقاتها لأننا وعينا الدرس وتواصلنا بجدية مع العالم، بل خرجنا من شرنقة الماضي بسلبياته ومعاناته وتحدياته، ولن يتحقق ذلك بغير إرادة صلبة ودراسة واعية وإيمان مطلق بإمكانات الأمة التي ننتمي إليها والشعب الذي خرجنا منه.

عن "اندبندنت عربية"

×
أخبار
إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط