تاريخ النشر: 2022-07-14 | 10:49
تاريخ النشر: 2022-07-14 | 10:49
كانت مُنهمِكة في تنظيف الرواق الطويل بين مكاتبِ العَمل؛ حين اعْترتْها قشْعرِيرة، تلاها دوارٌ شديد؛ جعلها تضعُ رَأْسَها بيْن يديْهَا المُرْتجِفتيْن ورائحة موادّ التنظيف تغْمُر أنفها... قاومتْ، لجأتْ إلى الجدار القريب تُحاولُ الاستناد عليه، جلستْ على الأرض المُبَلَّلَة بالمياه؛ بعد أنِ انفلتَ الدّلْوُ من يدها وراح يتدحْرجُ على عتبةِ السُّلّم المؤدّي إلى الطابق السُّفْلي.
خرج أحد الموظّفين بالصدفة من مكتبه؛ قاصِداً مصلحة الاستشارة القانونية في أمرٍ ما، وجدها غائبة عن وَعْيِها، غارِقة في عرَقِها....جرى هُنا وهنَاك... حضَر الإسْعاف، نُقِلتِ الشّابّة إلى قسْم الاِسْتعْجالات... "سُعادُ"، ابْنةُ العشرين وجدتْ نفسَها فجأة؛ هي المسؤولة عن رعاية أسرة بكاملها... تُوُف…
[١:٤٤ م، ٢٠٢٢/٧/١٤] n..m: وإنْ كان قلبي بالأسى يتكلّمُ
أُعَزّيكَ عنْ غصْنٍ ذوى قبل ما ارتوى *
وقامتْ بهِ وُرْقُ الثّنا تترنّمُ
على مثْلِ هذا؛ عاهد الدّهْرُ أهلهُ *
وِصالٌ وتفْريقٌ؛ يسُرُّ ويُؤلِمُ
وإنْ مُنِعَ الغُيّابُ أنْ يقْدموا لنا *
فإنّا على غُيّابِنا سوف نقْدِمُ !
تضع يديْها على عيْنيْها قبل أن يسلبها الكرى الحركة؛ تشعر بفراغ البيت الكبير... تشعر بالصمت الرّهيب.... تزفر زفرة حارقة.... يُخيّلُ إليْها أن هاتفاً يهتف بها:
لئنْ أوْحَشَتْ ممّنْ أُحِبُّ منازلُ ** فقدْ آنَسَتْ ممّنْ أحبُّ المقابرُ
وكنتُ عليْهِ أحْذرُ الموتَ وحْده * فلمْ يبْقَ لي شيء عليْهِ أُحاذِرُ !
بعد عام ونصف تقريباً؛ تغادر "سهام" الحياة.... العمّتان واقفتان عند قبرها، وغُصّة السُّؤال تتجدّدُ في كلِّ مرّة : " لماذا يا سهام... لماذا أنْهيْتِ حياتك؛ يا قِطعة مِنْ أخينا..."
غير بعيد؛ وفي الناحية الأخرى من المقبرة؛ تتعاون "سعاد" وعائلتها الصغيرة على تنظيف قبر "نورة" من أعشاب يابسة تناثرتْ بعشوائية لافتة.