تاريخ النشر: 2026-09-17 | 15:31
تاريخ النشر: 2026-09-17 | 15:31
عواصم: تستعد أوروبا لعام انتخابي قد يحمل انعكاسات تتجاوز حدود الدول التي ستتوجه إلى صناديق الاقتراع، مع إجراء انتخابات مهمة في فرنسا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا خلال 2027، في وقت يشهد فيه المشهد السياسي الأوروبي تفتتًا حزبيًا متزايدًا وصعودًا لافتًا لأحزاب اليمين الراديكالي والشعبوي.
وبحسب ورقة تحليلية صادرة عن Carnegie Europe للباحث ستيفان لين، نُشرت في 14 سبتمبر/أيلول 2026، فإن الاختبار الأساسي لا يتعلق ببقاء الاتحاد الأوروبي أو تفككه بقدر ما يتعلق بقدرته على اتخاذ قرارات مشتركة والاستجابة بفاعلية للتحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية المتزايدة.
شهد النظام الحزبي الأوروبي خلال العقدين الماضيين تحولًا بنيويًا واضحًا. فقد ارتفع عدد الأحزاب الوطنية الممثلة في البرلمان الأوروبي من 127 حزبًا عام 2004 إلى 220 حزبًا بعد انتخابات 2024، بالتوازي مع ارتفاع التأييد للأحزاب اليمينية المتطرفة والشعبوية من نحو 10% في منتصف العقد الأول من الألفية إلى قرابة 23% في الانتخابات الوطنية عبر دول الاتحاد.
هذا التفتت أضعف النمط التقليدي الذي اعتمد لعقود على التعاون بين يمين الوسط ويسار الوسط، وجعل تشكيل الحكومات الوطنية أكثر تعقيدًا، كما انعكس على طريقة بناء التحالفات داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وأصبحت الأغلبية السياسية أقل ثباتًا وأكثر ارتباطًا بكل ملف على حدة، في ظل قدرة حزب الشعب الأوروبي، في بعض القضايا، على التحرك بين حلفائه الوسطيين وقوى اليمين الراديكالي، خصوصًا في ملفات الهجرة والمناخ.
ولا يعني هذا التحول أن الاتحاد الأوروبي يتجه بالضرورة نحو أزمة وجودية. فقد أظهر خلال أزمات اليورو والهجرة وجائحة كوفيد والحرب الروسية على أوكرانيا قدرة على تطوير أدوات مالية وتشريعية وسياسية للتعامل مع الأزمات، حتى في غياب إصلاحات واسعة للمعاهدات المؤسسة للاتحاد.
لكن هذه القدرة ارتبطت في كثير من الأحيان بالاستجابة للأزمات بعد وقوعها أكثر من ارتباطها بخطط طويلة المدى لتعميق التكامل الأوروبي. وبذلك أصبح الاتحاد قادرًا على احتواء أزمات متتالية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة معالجة جميع مواطن الضعف المؤسسي التي تكشفها تلك الأزمات.
وتبرز في المقابل مفارقة سياسية مهمة بين تصاعد قوة الأحزاب المتشككة في مزيد من التكامل الأوروبي وبين استمرار التأييد الشعبي للاتحاد. فوفق أحدث بيانات «يوروباروميتر» الواردة في الورقة، يرى 74% من الأوروبيين أن عضوية الاتحاد مفيدة، وهو مستوى مرتفع من الدعم رغم التقدم الانتخابي للقوى القومية والشعبوية.
2027.. أربعة استحقاقات تحت المجهر
تكتسب انتخابات 2027 أهميتها من أنها تشمل أربعًا من أكبر دول الاتحاد وأكثرها تأثيرًا في موازين القوى الأوروبية: فرنسا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا. ومن شأن التحولات داخل هذه الدول أن تنعكس على المجلس الأوروبي وعلى قدرة الحكومات على بناء التوافق المطلوب للقرارات المشتركة.
في فرنسا، يمكن لأي تغير كبير في موقع اليمين الراديكالي داخل السلطة أن يترك تأثيرًا مباشرًا على التوازن السياسي الأوروبي، بالنظر إلى الدور الفرنسي المركزي في الاتحاد. أما في إيطاليا وبولندا وإسبانيا، فإن إعادة تشكيل التحالفات الحكومية أو تعزيز حضور القوى القومية قد يزيد من وزن الحكومات التي تتحفظ على نقل مزيد من الصلاحيات إلى مؤسسات الاتحاد.
ولا تتبنى معظم هذه الأحزاب اليوم فكرة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي كما فعلت بعض الحركات المتشككة سابقًا، بل تركز بدرجة أكبر على تغيير طبيعة العلاقة بين بروكسل والعواصم الوطنية، وإعادة جزء من الصلاحيات إلى الدول، وتشديد سياسات الهجرة، والحد من بعض التشريعات المناخية، وإعادة النظر في أولويات الإنفاق والسياسة الخارجية.
من أزمة التكامل إلى أزمة القدرة على القرار
المشكلة الأكثر أهمية التي قد تواجه الاتحاد بعد انتخابات 2027 ليست تغيير بنيته الدستورية، وإنما ارتفاع صعوبة الوصول إلى توافق بين الدول الأعضاء. فكلما ازداد عدد الحكومات المتحفظة على تعميق التكامل، ارتفعت كلفة التوصل إلى قرارات مشتركة، خصوصًا في الملفات التي تتطلب الإجماع أو توافقًا سياسيًا واسعًا.
وقد يظهر هذا الأثر في ملفات شديدة الحساسية، من بينها الميزانية الأوروبية متعددة السنوات، وسياسات الهجرة واللجوء، والتوسع المستقبلي للاتحاد، والتشريعات الاقتصادية والبيئية، والتمويل المشترك، إضافة إلى السياسة الخارجية ودعم أوكرانيا.
ولا تتبنى أحزاب اليمين الراديكالي موقفًا موحدًا تجاه روسيا والحرب في أوكرانيا، وهو ما يجعل تأثير صعودها أكثر تعقيدًا من مجرد تشكل جبهة سياسية واحدة داخل الاتحاد. فالاختلافات بينها في قضايا السياسة الخارجية والأمن قد تمنع تشكيل كتلة متجانسة، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد صعوبة بناء موقف أوروبي مشترك.
وبذلك، قد يكون الأثر الأعمق لانتخابات 2027 تدريجيًا وليس فجائيًا: اتحاد أوروبي يستمر في العمل ويحافظ على مؤسساته، لكنه يواجه بيئة سياسية أكثر تفتتًا، وتحالفات أقل استقرارًا، ووقتًا أطول للتوصل إلى القرارات الكبرى.
وفي هذا السياق، تتحول الانتخابات الوطنية في الدول الأربع إلى اختبار لقدرة الاتحاد على المحافظة على مستوى من الفاعلية السياسية في مرحلة تتزايد فيها التحديات المرتبطة بالأمن والطاقة والهجرة والاقتصاد والتوسع. فالقضية التي قد تفرض نفسها بعد 2027 لن تكون بالضرورة ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيبقى قائمًا، وإنما إلى أي مدى سيظل قادرًا على اتخاذ القرار والعمل الجماعي في الوقت المناسب.