تاريخ النشر: 2016-02-15 | 09:17
تاريخ النشر: 2016-02-15 | 09:17
لا شيء في السياسة أسوأ من أن يخرج الساسة عن طورهم، ويتحولوا إلى أسرى الانفعالات والغضب الداخلي، ما يفقدهم التوازن، وبالتالي بوصلة القيادة، التي لا غنى عنها في إدارة البلاد والعلاقات الداخلية والخارجية، بما هي «فن الممكن» في أبجديات علم السياسة، وإلّا تحول كل شيء إلى فشل، كما هي حال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
حين يقرع وريث الإمبراطورية العثمانية طبول الحرب على العالم، ويبدأ بمهاجمة كل من لا يتفق مع السياسة التركية، بدءاً من الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا والمنطقة برمتها، وحتى الأمم المتحدة، حتى ليخيل للمرء أنه سيرسل جيشه لاجتياح كل من يقف في طريقه، على غرار ما يفعله بالأكراد، في جنوب شرقي البلاد، فإن أردوغان يتجاوز حدود العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، تاركاً القليل من الفعل، والكثير من خيبة الأمل، التي بلا شك سترتد عليه قبل غيره، بما لذلك من تأثير على دور ومستقبل بلاده في المنطقة والإقليم والعالم.
لا يجد أردوغان صعوبة في التفريق بين ما هو ممكن، وما هو غير ممكن، فكلاهما ممكن من وجهة نظره، وعندها يصبح مفهوماً لماذا يضع أردوغان نصب عينيه هدفاً استراتيجياً، لا يحيد عنه، وهو إقامة «منطقة آمنة» وفرض منطقة «حظر طيران» في الشمال السوري، رغم معارضة واشنطن والحلفاء، وتغير الواقع الميداني بعد التدخل العسكري الروسي.
لكن أن يذهب أردوغان إلى حد تخيير واشنطن بين تركيا العضو في حلف «الناتو» والأكراد «الإرهابيين»، وهو يدرك أن الوحدات الكردية هي طليعة القوات التي تدعمها واشنطن، في قتال تنظيم «داعش»، فهذا يتجاوز حدود السياسة إلى الابتزاز. وحين يهدد أردوغان بإغراق أوروبا باللاجئين السوريين، إذا لم تدفع مليارت اليورو بالمقابل، ويجاهر بأن ذلك حق لبلاده التي لن تتحمل عبء هؤلاء وحدها، فهذا يتعدى حدود الابتزاز إلى الاستثمار في قضية اللاجئين، وربما تشير الأرقام المتضاربة يومياً عن أعداد الفارين من وطأة هجوم النظام السوري في حلب مؤخراً، إلى شيء من هذا القبيل، حتى أن بعض التقارير أشارت إلى أن أنقرة أقامت مخيمات الاستقبال مسبقاً على الحدود السورية. لكن الأسوأ من ذلك بالنسبة لأردوغان هو شعوره بالعجز، وعدم القدرة على التدخل في الشمال السوري، في ظل الترقب الروسي لارتكابه مثل هذا الخطأ، بعد إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وبعد تراجع الميليشيات «التركمانية» في ريف اللاذقية، وخسارته لطرق إمداد المعارضة مع هجوم النظام في ريف حلب، وسيطرة القوات الكردية المعادية له، على معظم المناطق الحدودية المحاذية لتركيا.
ومن الواضح أن هذا التغير الميداني وضع أردوغان في حالة نفسية صعبة دفعته إلى الارتباك والتخبط ومهاجمة الأصدقاء قبل الأعداء، وأدى إلى نشوب أزمة خطرة داخل حزبه الحاكم، مع ارتفاع أصوات قيادية رافضة لسياساته الداخلية والخارجية، اضطرته إلى دعوة الرئيس السابق عبدالله غول في محاولة لإقناعه بتهدئة الأوضاع، في وقت يجري فيه الحديث عن ضوء أخضر أمريكي للتخلص من صداع أردوغان أو إلزامه بالعدول عن كل سياساته الراهنة.
عن الخليج الاماراتية