أصبح تصنيف الأولويات في الشرق الأوسط مهمة شاقة إلى حد كبير، على ضوء ما يجري من أحداث وتطوّرات. لكن الاتّجاه يتمثل بتحديد أولويات متعدّدة إزاء الأوضاع التي تتفاعل بصورة متزامنة. فعلى سبيل المثال، من المسائل التي تتقدّم على سواها، الأزمة المفاجئة والمستفحلة في العراق، حيث يتعاظم التهديد الذي يتسبّب به تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، فيما رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ما زال متردداً في التنحّي من رئاسة الوزراء أو تشكيل حكومة وحدة. كما يتعاظم القلق على خلفية تفتّت الأراضي الذي يهدّد الوحدة الوطنية للدولة العراقية.
تمتد الأزمات الأخرى والبؤر الساخنة المحتملة من المشرق إلى الخليج وصولاً إلى شمال أفريقيا. لا تُظهر الحرب الأهلية التي تتوالى فصولاً في سوريا أي مؤشرات انحسار في القريب العاجل. ولا يزال اليمن يرزح تحت وطأة التوترات والنزاع القبلي. تتواصل التجاوزات الشديدة لسيادة القانون في مصر، مع صدور أحكام قضائية تعسّفية بحق المتظاهرين والصحافيين، والغياب الواضح للإجراءات القانونية بحسب الأصول، واقتراب موعد الانتخابات النيابية التي تبدو نتيجتها محسومة مسبقاً. وتعِد الانتخابات المزمع إجراؤها في ليبيا المجاورة بالحد إلى درجة كبيرة من احتمالات اندلاع حرب أهلية ونزع فتيل الكثير من التشنّجات التي ظهرت في الأشهر القليلة الماضية. أما الأزمة الأقل تهديداً، إنما الخطيرة بالدرجة نفسها، فهي تلك التي يتخبّط فيها لبنان على خلفية الشغور في موقع رئاسة الجمهورية، فتجعل البلاد في حالة من الهشاشة والضعف، وخير دليل على ذلك التفجير الذي وقع في 23 حزيران/يونيو الجاري في منطقة الضاحية الجنوبية في بيروت.
يكمن التحدّي في تحديد النزاع الأكثر إلحاحاً بين هذه النزاعات التي تعتمل في المنطقة. هذا فضلاً عن المسألة الفلسطينية دائمة الحضور، والتوسّع المستمر وغير المقبول للمستوطنات الإسرائيلية الزاحفة. ومؤخراً، أضيف إلى هذا الواقع خطف ثلاثة مستوطنين شباب. وقد نشرت إسرائيل، في إطار البحث عنهم، قواتها العسكرية خلال الأيام العشرة الماضية بعدما ألقت اللوم على "حماس"، إنما من دون تقديم إثباتات قاطعة. ويبدو أن وراء السعي المستميت للعثور على المستوطنين المفقودين رغبة بتقويض حكومة الوحدة الفلسطينية والمصالحة بين حركة "حماس" و"منظمة التحرير الفلسطينية".
قد يصبح من المعقول أو حتى من الممكن، في الأيام القليلة المقبلة، تحديد تسلسل معيّن لمعالجة الأزمات الضاغطة في المنطقة. لكن في الوقت الراهن، تبدو كل هذه الأزمات مترابطة من نواحٍ كثيرة، وتشكّل بالتالي تحدّياً يجب المبادرة إلى تقويمه بصورة عاجلة وملحّة من أجل استنباط حل شامل. عسى أن نتمكّن من إحياء شرارة ربيع عربي حقيقي لمعالجة هذه الأزمات. المطلوب الآن هو ألا نفقد الأمل.
مترجم عن الـ MONITOR