تاريخ النشر: 2022-12-15 | 11:45
تاريخ النشر: 2022-12-15 | 11:45
ربما تُستخدم الانتماءات القومية كفكرة تمييزية إقصائية، ونقيض للعالمية أو الأممية. ويمكن، من حيث الأساس، مهاجمة القومية، باعتبارها أداة للتجييش وتعريف الصراعات وتشجيع النزعات التفوقية وتبرير كل أنواع الشرور.
وهو في الحقيقة ما يحدث في العالم اليوم، حيث تُستخدم القومية للحشد حول العلم أو لتسويد الانطباع بالتهديد الذي يستوجب التعبئة للدفاع عن ذات كبرى. وتستفيد القومية من غرائز الهوياتية.
كل مخلوق حي تقريباً يريد أن يعرف نفسه بهوية جمعية، أن ينتمي إلى قطيع ما، يحتمي به أو يصطاد معه. فعلى الأقل، يحسّن هذا الانتماء فرصة البقاء والاحتماء.
على المستويات الفلسفية والأخلاقية، ثمة الكثير مما يعتور القومية من عيوب. ويمكن بالتأكيد تفهم مناهضة القومية في إطار تصورات أعلى، مثل الجمع على فكرة البشرية، الإنسانية، والعالمية، والتعاون، وتساوي فرص الوجود في العالم والحصص فيه.
لكنّ هذا الاتجاه الأممي، للأسف، يُدفع إلى منطقة الطوباية والفكر الآمل. وسوف تتعاون كل قوى الشر في العالم، واقعيًا، على عزل أصحاب هذه الأفكار واستهدافهم –ليس كنقيض أيديولوجي تتم مناظرته بالحجة، وإنما كهدف سهل يمكن الاستيلاء على حصته والسطو على حيزه، كمسالم أو بلا قبيلة.
اليوم، في بلد مثل الولايات المتحدة، المجمعة كيفما اتفق مثل “شعير البياع”، سوف يحتشد الذي جده ألماني، سويدي، إنجليزي، فرنسي أو حتى لاتيني أو أفريقي حول العلم ذي النجوم.
شاهد فقط ألوان وأنواع الجنود في البحرية الأميركية، الذين يهددون الآخرين باسم “القومية الأميركية”. شاهد روسيا، موطن إخراج الأممية من منطقة النظرية إلى التطبيق، وهي تحشد الروس على القومية كوسيلة للدفاع والمنافسة وحفظ البقاء.
شاهد الهند، وهي تستخدم الدين لتعريف قومية تستثني المسلمين. شاهد الصهيونية، التي اختلقت “قومية” من اللامكان من أناس مجمعين من كل عرق ولون، وعلى أساس مقدمات ليست قومية في الأساس.
شاهد الألمان، والفرنسيين، والإنجليز، الذين يؤكدون على قومياتهم ثم يضحون بجزء من خصوصياتها في سبيل “قومية” أوروبية أكبر وأقدر على المنافسة والصمود.
شاهد كيف أصبح “البياض” قومية عندما أعطى الأوروبيون الأوكران أولوية العون على حساب غير البيض، ونحن منهم. شاهد كيف يحشد الإيرانيون والأتراك على القومية.
وشاهد، في كأس العالم، كيف يجري توسل الفوز بالحشد حول العلم والنشيد الوطني وتعبئة العصبة، “المشجعين”.
باستثاء كل هذا، لا شيء جميل وإيجابي إلا – ربما- الفوز في مباراة كرة قدم، باعتبار التميز الذي تجلبه أقل ضررًا. وفي الحقيقة، ثم إدراك لا يمكن إنكاره لدى العرب، مثل كل الآخرين، إلى حقيقة أن استهداف العروبة، كفكرة جامعة مدعومة بالقرائن، سبب أساسي في الإضعاف الجمعي للمنتمين إلى هذه الهوية وتسهيل الاستيلاء عليهم وتعزيز شعورهم بالهزيمة. وبذلك، ليست القومية مسألة اختيار من متعدد ينطوي على فرص، وإنما الكل يختارونها لأنفسهم كسبيل يبدو وحيدًا للنفوذ والمنافسة والحماية في عالَم يفرض الصراع كشرط للبقاء.
بذلك، أي مصلحة في الاشتغال على تقويض فكرة العروبة والدفاع عن تقسيم العرب إلى أمم قطرية، مناطقية، عقائدية أو حتى قبائلية؟ بل إن البعض يستعينون على ذلك بمحاولة إثبات أن ليست هناك “لغة عربية” جامعة، باعتبار اللغة معرّف للهوية. ويقولون إن اللهجات لغات، العربية واحدة منها فقط، وليست تفريعات من لغة أم. ولا ينطبق الأمر نفسه عندما يتعلق الأمر بلهجة أهل يوركشير في بريطانيا أو لهجة أهل تكساس أو السود في أميركا.
أيّا يكن، إذا كانت الرغبات والاختيارات العامة للشعوب تصلح لتكون دليلًا على ما ينبغي تحقيقه لها، كغاية للسياسة والحكم، فقد أظهر العرب في “مونديال قطر”، “مونديال العرب”، “مونديال فلسطين”، أنهم يتمسكون بالعروبة كهوية جامعة – موضوعيًا ومهما تكن الاقتراحات الأخرى.
وليس هذا الاتجاه عاطفيًا فقط، وإنما يخدم عمليًا مصلحة دنيوية واضحة في عالم عنوانه –كما هو- التنافس والصراع على البقاء والنفوذ والحصة.
وكان ما حدث استفتاء شعبيًا عفويًا على العروبة، من دون أن تلغي العروبة الأعراق والأديان والقوميات الصغيرة التي يجمعها التحدث بالعربية والطموحات الجامعة والمصالح الضرورية.
في كل مكان، تستوعب الثقافة الكبرى الثقافات الفرعية. انظر المهاجرين في الغرب الذين يتماهون، أو يُطلب منهم أن يتماهوا مع الأمم لمصلحة الكل.
ونتيجة “الاستفتاء” الشعبي العربي بأكبر عينة عربية ممكنة جمعها المونديال، أن السياسات الرسمية، المنسجمة مع الأصوات المناهضة للقومية من دون بديل سوى هويات تقسيمية أصغر أو لاهوية، تعمل في إنكار، وانفصال وقمع وتناقض مع عرب يرون في فلسطين وطنهم الخاص، وفي أي كل عربي فريقهم الوطني.
عن الغد الأردنية