تاريخ النشر: 2021-08-19 | 07:12
تاريخ النشر: 2021-08-19 | 07:12
يحمل الانسحاب الأمريكي السريع وسيطرة حركة طالبان الأسرع على العاصمة كابول وعلى أفغانستان بأسرها، تداعيات بالغة الأهمية على المنطقة والعالم. ويأتي هذا الانسحاب ضمن توجّه عام آخذ في التطوّر، منذ عهد الرئيس أوباما ومن بعده ترامب وصولا إلى بايدن، يرمي إلى تقليص مساحة التدخل الأمريكي المباشر إلى الحد الأدنى. ويعكس قناعة أمريكية عميقة بأن عقودا من استثمار تريليونات الدولارات، وخسارة عشرات آلاف القتلى والجرحى، لم تأت بالنتائج المرجوة، وهناك شعور عام بأن أمريكا ليست مستعدة بعد أن تدفع ثمن أوهامها.
وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية قررت، قبل عامين وفي عهد ترامب، سحب قوّاتها العسكرية من أفغانستان، إلّا أن ما حدث لم يكن انسحابا منظما، بل هروبا أمريكيا مهيناً للقوات العسكرية وللمدنيين، من دبلوماسيين ورجال أعمال وممثلي مؤسسات المجتمع المدني. ويؤدّي مثل هذا المشهد، المنقول إعلاميا بالصوت والصورة، إلى كيّ وعي الناخب والمسؤول ومتخذ القرار في الولايات المتحدة، ويغذّي التوجهات الانعزالية في السياسة الخارجية الأمريكية.
ومهما حاول الرئيس الأمريكي جو بايدين، تجميل الصورة وتخفيف وطأتها، إلّا أن الناس لا تستطيع أن تكذّب أعينها، وهي ترى الفشل يتجسّد صوراً متتالية للأمريكيين، ولمن حالفه الحظ من حلفائهم الأفغان، يلوذون فرارا خوفا من انتقام محتمل لحركة طالبان، التي عادت إلى الحكم بقوّة السلاح وإرادة القتال. وقد وصف أحدهم ما حدث في أفغانستان بأنه «بعد عمل 4 رؤساء، واستثمار 2 تريليون دولار، وخسارة أرواح حوالي 7000 عسكري، واحتلال وحرب، وبعد 20 عاما من كل هذا، جرى استبدال طالبان بطالبان!». بحكم النتيجة فشل التدخل الأمريكي في أفغانستان. فبعد عشرين عاما من الاحتلال والاستثمارات الضخمة لبناء الأمّة والدولة والنظام والجيش، انهار الجيش والنظام بلا قتال أو مقاومة تذكر، وانسحب الأمريكيون، بلا ضمانات ملزمة، تاركين خلفهم حلفاء الأمس تحت رحمة حركة طالبان. ولعل النتيجة المباشرة لمشاهد الفشل الصادمة هي الضربة في الصميم لفكرة التدخل الأمريكي المباشر في قضايا دول العالم، والتسريع في الابتعاد عن وحل الشرق الأوسط بشكل خاص. يقرأ حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة أحداث كابول على اعتبار أن الأهم فيها هو الهروب الأمريكي، بعد الفشل وليس انتصار حركة طالبان، رغم خشيتهم من أن يحمل هذا النصر بعض المخاطر. وإذ يرى هؤلاء أن الولايات المتحدة تتخلّى بسهولة عن حلفائها، وتترك الساحة لأعدائهم، فإن الثقة بها، في المنطقة وفي العالم، تتراجع بشكل كبير، ويبدأ كل واحد منهم في التفكير في مصيره إذا تخلّت عنه أمريكا، كما تخلت عن حلفائها الأفغان. كان رد الفعل الإسرائيلي الأوّل، ما ردّده سياسيون وضباط سابقون: «نحن لسنا أفغانستان، نحن لسنا أفغانستان» شارحين أن إسرائيل «قوية وتعتمد على قوتها العسكرية الذاتية» وتستطيع «الدفاع عن نفسها بنفسها» من دون الحاجة لتدخل أجنبي. بموازاة ذلك عبّر الإعلام الإسرائيلي عن قلق أمني وسياسي في الجيش والحكومة من أن الانسحاب الأمريكي ذاته والطريقة التي جرى فيها، يضرب قوة الردع الأمريكية في المنطقة، والردع الأمريكي والإسرائيلي سيّان حتى الآن.
القدس العربي