تاريخ النشر: 2018-05-21 | 11:39
تاريخ النشر: 2018-05-21 | 11:39
على طريقة المخرج طلبة رضوان فى فيلمه «السفيرة عزيزة» فى بداية ستينيات القرن الماضى حينما أراد للمعلم عباس (الفنان عدلى كاسب) أن يتخلص من أحمد (الفنان شكرى سرحان) عقابا له على علاقته بأخته عزيزة (الفنانة سعاد حسني) بأن أمر بعضا من أتباعه بافتعال معركة فى الشارع ينشغل بها أهالى الحارة والبوليس حتى ينتهى من مهمته فى القضاء على أحمد دونما إزعاج من البوليس، افتعل نيتانياهو أيضا معركة أو بالأحرى مجرزة فى قطاع غزة. كان نيتانياهو يعلم أو يتخوف من لحظة اغتصابه وشريكه دونالد ترامب، القدس بافتتاح السفارة الأمريكية بها فى ذكرى النكبة على مرأى ومسمع من العالم فكان لابد من معركة أخرى أو استدراج البعض لمعركة أخرى تشغل العرب وتأخذ جزءا من الاهتمام إن لم تأخذ الاهتمام كله، وبذلك تمر عملية اغتصاب القدس بسلام. وهكذا تحولت الأنظار من المشهد الرئيسى أو الذى كان يفترض أن يكون الرئيسى إلى مشهد آخر تعودت عليه إسرائيل، إلى درجة أن الإضراب الشامل الذى دعت إليه منظمة التحرير الفلسطينية والذى شمل بطبيعة الحال مدينة القدس قد جاء تضامناً مع أهالى قطاع غزة بعد المجزرة التى أودت بحياة أكثر من مائة شهيد فلسطيني, إضافة إلى إصابة الآلاف منهم فى التظاهرات التى نظمتها حركة حماس فى ذكرى النكبة وتزامنا مع افتتاح السفارة الأمريكية فى القدس. كما أن الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب «ندد بالجرائم الإسرائيلية الممنهجة واسعة النطاق التى ترتكبها القوات الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين ودعا الأمم المتحدة لتشكيل لجنة دولية للتحقيق فى تلك الجرائم». وبالفعل تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارا يدعو إلى إرسال لجنة تحقيق دولية مستقلة إلى غزة، وهذا النوع من اللجان هو أعلى مستويات التحقيق فى الأمم المتحدة.
المحصلة النهائية أن نيتانياهو نجح بامتياز فى تمرير مشهد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس دونما تفجر الغضب العربى والإسلامى لاغتصاب القدس محولا الغضب والتركيز الإعلامى على مشهد ما يحدث فى غزة. ومع الوقت سيتضاءل الحديث عن القدس ونقل السفارة على اعتبار أنه حدث وانتهي، أما ما يحدث فى غزة فسوف يستمر بعض الوقت كما هى العادة ومع توقف المجزرة سيتركز الحديث بطبيعة الحال على كيفية تخفيف معاناة أهالى غزة وتقديم المساعدات ..إلخ. أما حماس التى سبق لها وأعلنت مرارا وتكرارا أنها ترفض نقل السفارة الأمريكية للقدس معتبرة إياه «تجاوزا لكل الخطوط الحمراء» وأنها «لن تسمح لهذه المؤامرة أن تمر، وأن خيارات الشعب الفلسطينى ستبقى مفتوحة للدفاع عن أرضه ومقدساته» فإنها ستكتفى بما قامت به من مظاهرات وما وقع فيها من شهداء معتبرة أن ذلك أقصى ما يمكن تقديمه للقدس وربما تزايد به على الفصائل الأخرى وخاصة فتح، وستبحث عن المساعدات لتؤمن بها وضعها داخل القطاع، بل وربما تستخدم كل ذلك للتملص من بعض التعهدات التى قطعتها على نفسها خاصة فيما يتعلق بملف المصالحة الوطنية الفلسطينية. وفى هذا السياق قال رئيس المكتب السياسى لحركة حماس إسماعيل هنية قبل يومين إن «دماء شهداء غزة سطرت إنجازات عظيمة على طريق الإنجاز الأكبر وهو تحرير فلسطين» وأضاف «إما أن يرفع الحصار كليا عن غزة وإما أن تستمر المسيرة» ولم ينس بالطبع أن يؤكد جاهزية حركته لحماية الوحدة الوطنية والالتزام بكل التفاهمات السابقة! أما يحيى السنوار قائد الحركة فى غزة فقال تزامنا مع تصريحات هنية إن «ملف الأسرى على رأس أولويات الحركة الآن». إذن تركيز قادة الحركة الآن على قضايا مهمة بالطبع، ولكن واضح أنه ليس من بينها القدس!
وفيما يتعلق بإيران التى تبحث عن لملمة جراحها نتيجة الضربات التى تلقتها أخيرا من إسرائيل والولايات المتحدة فمن الواضح أنها وجدت فى تغيير ميدان المعركة من القدس إلى غزة ضالتها لإزعاج إسرائيل التى تتهمها بتمويل ودعم مسيرات العودة فى قطاع غزة. وبينما كانت إيران قد توعدت بأن تجعل من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس «كابوسا» لإسرائيل لن تنجو منه إلا عبر الحياة فى الملاجئ، فقد سارعت باستنكار ما تقوم به القوات الإسرائيلية ضد قطاع غزة متعهدة بزيادة الدعم للفلسطينيين فى القطاع، واستغلت ذلك للهجوم على بعض الدول معتبرة إياها شريكة فى الظلم الأمريكى والإسرائيلى للفلسطينيين فى غزة. وهو الأمر الذى يعنى أن إيران تسعى لاستغلال ساحة قطاع غزة إلى جانب الساحة السورية للصراع مع إسرائيل بصرف النظر عن تداعيات ذلك على التوصل إلى حل حقيقى فى الساحتين يضمن حقوق الشعبين ويحميهما من الضياع. فإيران التى كثيرا ما تلاعبت بالقضية الفلسطينية من خلال علاقتها بحركة حماس ترى أن إشعال جبهة قطاع غزة ضد إسرائيل سيعنى بالضرورة تخفيفا للضغط الإسرائيلى عليها فى الساحة السورية، أو ربما يسمح لها بتحقيق بعض الاختراقات فى تلك الساحة.
أما مصر وانطلاقا من أن مقاربتها للقضية الفلسطينية تقوم على مبدأ ثابت هو حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، فقد أدانت ما تقوم به إسرائيل فى القطاع وعبرت عن رفضها التام استخدام القوة فى مواجهة مسيرات سلمية تطالب بحقوق مشروعة وعادلة، كما حذرت من «التبعات السلبية لمثل هذا التصعيد الخطير فى الأراضى الفلسطينية المحتلة» والأهم أنها قدمت الدعم الحقيقى كعادتها للشعب الفلسطينى فاستقبلت الجرحى فى مستشفياتها وفتحت معبر رفح للتسهيل على الفلسطينيين، بعيدا عن مزايدات دول مثل إيران وقطر وتركيا التى تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ورقة للمكايدة أو المقايضة أو تحصيل نقاط فى معارك إقليمية أخرى أو لحسابات أيديولوجية مقيتة. باختصار فإن مجزرة القدس تبقى هى الأهم والأكثر خطورة وتهديدا لحل القضية الفلسطينية بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، ويجب أن تظل فى بؤرة الاهتمام وصدارة الأولويات بعيدا عن كل الحسابات الضيقة والنظرة القصيرة المدى.
عن الأهرام