المنطقة العربيَّة الملتهبة منذ سنوات بمزيج من الزلازل والبراكين، تبدو هذه الأيّام أشبه بخليَّة نحل سياسيَّة. كأنما الموت الكثير والدمار الأكثر من الشامل قد شبعا أو أرتويا. أو خالجهما شعور من الشفقة على هذه الملايين والأُلوف المؤلَّفة من الضحايا والمشرَّدين والمقهورين والتائهين.
هل من بشائر حلحلة، أو أعجوبة في هذا الأفق الأَوسطي العربي المغطّى بالدخان الأسود الكثيف، والعويل الذي يشقُّ الفضاء ليل نهار، ودويّ القنابل والصواريخ وطائرات الموت وأنين الأمهات والأرامل والأيتام؟
يقول الراوي إن الحركة الروسيَّة، الحاصلة على الموافقة الأميركيَّة والمباركة الأوروبيَّة، تتراءى للناظر والمراقِب كأنها على قسط وجانب من الجديّة، ولا تُشبه هذه المرَّة مَنْ يحارب طواحين الهواء. وقد تُؤتى ثمارها، على ما يبدو، انطلاقاً من التفاهم على الوضع في سوريا وسُبل معالجته، وتفتح حواراً جاداً واسع النطاق، يشمل في جولته الأولى السعوديَّة وإيران وسوريا بمشاركة فعّالة من الدبّ الروسي.
كأنما هذا الكلام بحاله أغرب من الخيال.
فهل من مبالغات في المعلومات التي تفيد أن السعوديَّة وافقت على مقترحات روسيَّة مدعومة أميركيّاً، تفضي في نهاية المطاف إلى حوار مباشر مع إيران، مفتوح على كل الملفات الخلافية بين البلدين، مضافة إلى واقع الحال الكارثي في عدد من الدول العربيَّة التاريخيَّة والأساسيَّة؟
لا بدَّ من أسئلة ركنيَّة بالنسبة إلى هذا "التصوّر"، أو هذا "الحدث"، تبدأ بالموقف السعودي وشروط الرياض المعروفة كما غير المعروفة وغير المُعلَنة للتفاهم على ملفات بالغة التعقيد، في مقدّمها ملف سوريا ثم ملف اليمن... أو في الملفّين معاً وفي الوقت نفسه؟
ثم يأتي السؤال اللبناني من حيث الأهمية سياسيّاً على الصعيدين السعودي والإيراني، خصوصاً أن أوروبا تشترط بدورها عَبْر باريس أن يبدأ "امتحان" النيّات بالملف اللبناني الأقل تعقيداً من كل الملفات الأخرى. فهل من تفاهم سعودي إيراني روسي أميركي على هذا الملف؟
ثم الملف اليمني الذي لا يقل أهميّة بالنسبة إلى السعودية عن الملف السوري، من زوايا معيّنة...
لا بدَّ من متابعة "الحركة الجديدة" بين إيران والسعوديَّة وروسيا، وربما الانعكاسات الإيجابية لهذه "الحركة"، في حال وجودها، على الفراغ الرئاسي في لبنان.
إن لم تكن هذه المؤشِّرات تشبه علامات حُلم ليلة صيف، فإن الدخان الأبيض قد يُفاجئ الدخان الأسود الكثيف بإطلالة مبشِّرة.
عن النهار اللبنانية