الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

أفريقيا.. بين حماية العمق الاستراتيجي وفرص المستقبل

لم تكن أفريقيا يوماً مجرد دائرة من دوائر السياسة الخارجية المصرية، بل شكلت على امتداد التاريخ أحد أهم امتدادات الأمن القومي لمصر ومجالها الحيوي الطبيعي. فمن منابع النيل إلى البحر الأحمر، ومن القرن الأفريقي إلى عمق القارة، ارتبطت مصالح مصر واستقرارها ارتباطاً وثيقاً بما يجرى في محيطها الأفريقي، وهو ما جعل الحضور المصري في القارة يتجاوز الاعتبارات الدبلوماسية التقليدية ليصبح جزءاً من معادلة الأمن والتنمية والمستقبل.


وعلى الرغم من خصوصية هذه العلاقة التاريخية، فإن السنوات التي سبقت عام 2014 شهدت تراجعاً نسبياً في مستوى الحضور المصري داخل القارة، في وقت كانت فيه قوى إقليمية ودولية عديدة تسعى إلى توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني في مناطق شديدة الحساسية بالنسبة للمصالح المصرية. ومن هنا جاءت عودة أفريقيا إلى صدارة أولويات السياسة الخارجية المصرية باعتبارها استحقاقاً استراتيجياً وليست مجرد خيار سياسي.

ومنذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، بدأت القاهرة عملية إعادة انخراط واسعة في الشأن الأفريقي، استندت إلى قناعة واضحة بأن مستقبل مصر وأمنها القومي لا يمكن فصلهما عن مستقبل القارة وتوازناتها. ولذلك شهدت السنوات الماضية نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً، وزيارات رئاسية متكررة، ومشاركة فاعلة في مؤسسات العمل الأفريقي، بما أعاد مصر تدريجياً إلى موقعها التقليدي كأحد أبرز الفاعلين في القارة.


وكان ملف مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي أحد أبرز الاختبارات التي واجهت هذا التوجه. فقد مثلت الأزمة تحدياً استراتيجياً مباشراً للأمن القومي المصري، وفرضت على القاهرة التحرك على مسارات متوازية تجمع بين التفاوض والدبلوماسية والحشد الإقليمي والدولي، مع التمسك بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل باعتبارها قضية وجودية لا تحتمل التفريط أو المساومة.


ورغم التعقيدات التي أحاطت بالملف، حرصت مصر على تقديم نفسها باعتبارها طرفاً يسعى إلى التوصل إلى حلول توافقية تحقق المصالح المشتركة وتحافظ على حق شعوب دول الحوض في التنمية، دون الإضرار بحقوق الدول الأخرى أو تهديد استقرار الإقليم. وقد عكس هذا النهج إدراكاً مصرياً بأن إدارة الخلافات في أفريقيا تحتاج إلى بناء التوافقات أكثر مما تحتاج إلى تصعيد الصراعات.


وفي الوقت نفسه، لم يقتصر الحضور المصري على ملف النيل وحده. فالتطورات المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي فرضت بدورها تحديات جديدة على الأمن القومي المصري. فهذه المنطقة التي تتحكم في أحد أهم الممرات البحرية والتجارية في العالم تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي متزايد، تتقاطع فيها مصالح العديد من القوى الكبرى والإقليمية.


ومن هذا المنطلق، تابعت القاهرة عن كثب التحولات الجارية في القرن الأفريقي، وسعت إلى تعزيز حضورها السياسي والأمني والدبلوماسي في المنطقة، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي يمثل جزءاً لا يتجزأ من استقرار مصر وأمنها الوطني. كما عملت على مواجهة محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية توظيف الفراغات السياسية أو النزاعات المحلية لتحقيق مكاسب استراتيجية قد تنعكس سلباً على المصالح العربية والأفريقية.


لكن الرؤية المصرية تجاه أفريقيا لم تتوقف عند حدود الأمن والتحديات الجيوسياسية. فخلال العقد الماضي، اتجهت القاهرة إلى بناء شبكة واسعة من الشراكات الاقتصادية والتنموية مع دول القارة، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة الأفريقية، ومن الفرص الكبيرة التي تتيحها الأسواق الأفريقية في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والطاقة والنقل والتصنيع.


كما سعت مصر إلى تعزيز التعاون في مجالات بناء القدرات والتدريب ونقل الخبرات، وتوسيع حضور الشركات المصرية داخل العديد من الدول الأفريقية، بما يعكس فهماً متطوراً لطبيعة النفوذ في القرن الحادي والعشرين، حيث أصبحت الشراكات الاقتصادية والتنموية إحدى أهم أدوات التأثير والاستقرار.


وقد أسهمت هذه التحركات في تعزيز صورة مصر داخل القارة باعتبارها دولة تسعى إلى بناء المصالح المشتركة لا الهيمنة، وإلى دعم الاستقرار والتنمية لا توظيف الأزمات والصراعات. كما ساعدت القاهرة على استعادة جانب مهم من رصيدها التاريخي لدى العديد من الشعوب والدول الأفريقية التي لا تزال تنظر إلى مصر باعتبارها أحد الأصوات الرئيسية المدافعة عن قضايا القارة ومصالحها في المحافل الدولية.


وكان الإنجاز الأهم في هذا المسار هو نجاح مصر في الجمع بين متطلبات الأمن القومي ومقتضيات التنمية والتعاون. فأفريقيا في الرؤية المصرية ليست فقط مصدراً للتحديات المرتبطة بالمياه أو الأمن، بل هي أيضاً فضاء واسع للفرص الاقتصادية والاستثمارية والسياسية التي يمكن أن تسهم في دعم مكانة مصر الإقليمية والدولية خلال العقود المقبلة.


فلم تعد العودة المصرية إلى أفريقيا مجرد تصحيح لمسار سابق، بل أصبحت جزءاً من رؤية أشمل لإعادة تعريف الدور المصري في محيطه الحيوي. رؤية تنطلق من أن حماية الأمن القومي تبدأ من بناء الشراكات، وأن النفوذ المستدام لا يتحقق بالقوة وحدها، بل عبر الحضور الفاعل، والمصالح المتبادلة، والقدرة على التعبير عن تطلعات الشعوب الأفريقية والدفاع عن مصالحها المشتركة.


ولم يكن من قبيل المصادفة أن تستعيد مصر خلال السنوات الأخيرة مكانتها كأحد أهم الفاعلين في القارة، وأن تصبح أكثر حضوراً وتأثيراً في ملفاتها الرئيسية. فبين تحديات النيل، وتحولات القرن الأفريقي، وفرص التكامل الاقتصادي، أعادت القاهرة اكتشاف عمقها الأفريقي، وأعادت أفريقيا بدورها إلى قلب الحسابات الاستراتيجية المصرية، باعتبارها أحد أهم مفاتيح الأمن والاستقرار والمستقبل.

×
أخبار
باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط